لقد شهدت انتخابات جمهورية إفريقيا الوسطى 2025، التي أُجريت يوم 28 ديسمبر، تنظيم انتخابات عامة متزامنة شملت الاستحقاقات الرئاسية والتشريعية والإقليمية والبلدية، في مرحلة مؤسسية معقّدة من حيث الحجم والتنظيم والسياق. وجاء هذا الاستحقاق في بيئة تتقاطع فيها رهانات ترسيخ الشرعية مع تحديات لوجستية وتقنية وأمنية متعددة، الأمر الذي منح يوم الاقتراع نفسه أهمية تحليلية تتجاوز سرد الوقائع إلى تحليل الأداء الإجرائي ودلالاته.
وتنبع أهمية تقييم هذا اليوم من طبيعة ما شهده من توازن عام بين السلمية والانضباط، مقابل اختلالات موضعية صاحبت الانطلاقة والتنفيذ في بعض الدوائر الانتخابية. فالمسار الانتخابي في مثل هذا السياق لا يُقاس بالنتائج المنتظرة وحدها؛ بل بكيفية إدارة الساعات الحاسمة، وبالقدرة على استيعاب تعقيد الاقتراع المتزامن، وبالانتقال المنضبط إلى مرحلة ما بعد إغلاق الصناديق؛ حيث تتبلور رهانات الثقة والقبول السياسي.
وبناء عليه، يهدف هذا المقال إلى تقديم قراءة تقييمية موجزة ومتسقة لمسار يوم الاقتراع، اعتمادا على الرصد الميداني، والمعطيات المؤسسية المتاحة، مع تجنّب الأحكام المسبقة أو استباق النتائج الرسمية.
كما يسعى إلى التمييز بين الصورة العامة للعملية الانتخابية، والتعثرات المحدودة التي ظهرت خلالها، وإلى إبراز دلالات إدارة مرحلة الفرز وإعلان النتائج بوصفها عنصرا مهما في ترسيخ الشرعية.
وعلى هذا الأساس، ينطلق هذا المقال من مدخل عام لما جرى ويوضح لماذا يهم، ثم يعرض الصورة العامة ليوم الاقتراع، ويقف عند ما نجح وما تعثّر على المستويات الإجرائية والتقنية والأمنية، قبل الانتقال إلى قراءة مرحلة ما بعد التصويت، وتحليل أولي لمسألة الثقة والشرعية، وصولا إلى تحديد مؤشرات المتابعة في الأيام التالية.
الصورة العامة ليوم الاقتراع
جاءت انتخابات الأحد 28 ديسمبر 2025 في جمهورية إفريقيا الوسطى بوصفها استحقاقًا مُركّبا على مستوى الحجم والإدارة؛ إذْ جُمعتْ فيها الانتخابات الرئاسية والتشريعية والإقليمية والبلدية، مع توسيع نطاق الاقتراع داخل البلاد وخارجها.
ووفق المعطيات المتداولة في التغطيات الميدانية، شارك أكثر من 2.3 مليون ناخب للتصويت عبر نحو 6762 مركز اقتراع، بينها مراكز مخصصة لمواطني للشتات (المغتربين) في عدد من الدول، في سياق يكتسب خصوصيته من كون الانتخابات البلدية تعبر عن عودة لمسار محلي متعثر تاريخيّا.
وعلى المستوى الإجرائي، اتسمت البداية بـتفاوت واضح بين الدوائر؛ حيث فتحت مراكز في الوقت المحدد وأخرى تأخرت بسبب تأخر المواد أو نقص في اللوائح أو أخطاء توزيع وثائق المرشحين، وهو نمط تكرر في أكثر من نقطة رصْد داخل العاصمة بانغي وضواحيها.
ورصدت المتابعات مشكلات متنوعة، مثل: ناخبون يحملون بطاقات؛ لكن أسماءهم غير موجودة في السجل داخل بعض المراكز، وتأخر افتتاح مراكز بسبب غياب الحبر أو أوراق اقتراع تخص بعض الاستحقاقات، أو عدم جاهزية القاعات والموظفين في الساعات الأولى.
أما جغرافيا، فقد سارت العملية في عدد من المدن الداخلية بوتيرة مقبولة مع تسجيل حوادث موضعية، بما فيها إيقافات محدودة مرتبطة ببطاقات أو مواد انتخابية في بعض المناطق، وأيضا بعض المناطق في الأطراف ذات حساسية أمنية لم تستقر فيها ظروف الاقتراع على نسق واحد طوال اليوم.
هذا التباين بين المركز (العاصمة وضواحيها) والأطراف (القرى والأرياف) ظل عنصرا حاكما للصورة العامة، يعني يومٌ اتسم بالهدوء النسبي في عمومه؛ لكن مع اختلالات تشغيلية وأمنية محدودة تُثقل على معيار الشمول وسلاسة إدارة الانتخابات بشكل عام.
ما الذي نجح في انتخابات جمهورية إفريقيا الوسطى؟
منْ أبرز ما ميّز يوم الاقتراع أنّه جرى، في غالبية المواقع التي شملها الرصد، في مناخ اتسم بالهدوء النسبي داخل مراكز التصويت دون تسجيل اضطرابات أمنية وشغب.
وقد صحب ذلك قدرٌ واضح من الانضباط في تنظيم الطوابير، وإدارة حركة الدخول والخروج؛ فضلا عن الالتزام عموما بالمدد الزمنية المقررة في عدد معتبر من الدوائر الانتخابية.
ولا يعني هذا الهدوء الإجرائي انتفاء الإشكالات، بقدر ما يدل على أنّ ما سُجّل منها ظل في معظمه محدودا وقابلاً للاحتواء محليّا، ولم يتحول إلى اضطرابات أمنية واسعة النطاق داخل المراكز المختلفة.
وسُجلت كذلك مؤشرات إيجابية مرتبطة بـحضور الدولة المؤسسي في لحظات رمزية، مثل: مشاركة مرشحين بارزين في التصويت، ومواكبة ميدانية من مراقبين في بعض المراكز، وهي عناصر تُستخدم عادة كإشارات تهدئة سياسية طالما جرت ضمن قواعد ضبط الخطاب وعدم استباق النتائج.
كما أظهرت بعض المراكز، وفق رصد ميداني منشور، قدرة تشغيلية أفضل من غيرها من حيث انتظام الإجراءات، حتى حين غابت المراقبة الدولية عن مراكز محددة.
ويُضاف إلى ذلك، أنّ جزءا من النجاح هنا كان نجاحا تشغيليّا وليس سياسيّا، أيْ الحفاظ على استمرارية الاقتراع رغم التعقيد (أربع عمليات انتخابية متزامنة)، ورغم ضعف بعض حلقات اللوجستيك.
وبالمعنى التنفيذي، فإنّ إنجاز فتح المراكز وإغلاقها وبدء الفرز في عدد من المناطق ضمن آجال مقبولة يظل نقطة قوة نسبية في سياق معروف بهشاشة القدرات الإدارية وتشتت المجال الجغرافي.
ما الذي تعثّر (تنظيميّا وتقنيّا وأمنيّا)؟
التعثر التنظيمي ظهر مبكرا وبصيغ متكررة، مثل: عدم تطابق السجل والبطاقات في بعض المراكز، غياب قوائم ناخبين أو قوائم مرشحين في مواقع محددة، وتأخر افتتاح مراكز بسبب نقص مواد (حبر/أوراق/وثائق)، أو تأخر الموظفين، أو عدم جاهزية القاعات.
وفي حالات موثقة ضمن تغطية مباشرة، أدى هذا إلى مغادرة ناخبين دون تصويت أو الاكتفاء بالتصويت في اقتراع واحد (مثل الرئاسي) بسبب غياب أوراق اقتراع خاصة باستحقاقات أخرى داخل نفس المركز.
أمّا التعثر التقني، فتمثل في شكاوى مرتبطة بآليات التحقق وإدارة البيانات (ومنها مشكلات نُسبت إلى النظام الحيوي/القياسات الحيوية في بعض المناطق، ووجود ناخبين بإيصالات دون بطاقات نهائية)، بما ترتب عليه إقصاء فعلي لجزء من الناخبين رغم حضورهم.
وهذا النوع من الأعطال، حتى لو كان محدوداً جغرافيّا، يُعَدّ عالي الأثر على مؤشريْن مهمين، هما: شمول المشاركة وعدالة الوصول إلى التصويت؛ لأنّ أثره لا يُقاس بالعدد فقط؛ بل بطبيعته الإقصائية.
ومن الناحية الأمنية، سُجِّلت محافظة هوت مبومو كاستثناء ثقيل؛ حيث رُصِدتْ تقارير عن اشتباك مسلح في مدينة بامبوتي أدّى إلى تعطيل الاقتراع مؤقتا (محليّا)، ودفع مدنيين إلى الفرار، مع مؤشرات تهديدات أثرت على انتظام التصويت في محيط المنطقة.
وبالمنطق العملياتي، فإنّ أيّ تعطيل أمني في الأطراف لا يهدد يوم الاقتراع فحسب؛ بل يفتح تساؤلات حول تكافؤ الفرص بين الدوائر، مثل: هل صوّت الجميع تحت شروط متقاربة؟ وهل تُعالج الفجوات لاحقا بآليات قانونية واضحة أم ستتحول إلى مادة نزاع سياسي مستقبلا؟

مرحلة ما بعد التصويت: الفرز وإدارة النتائج
غالبا ما تبدأ حساسية ما بعد التصويت من نقطة بسيطة؛ لكنها مؤثرة، وهي: الفرز ليس إجراء محايدا إذا اختلت شروطه اللوجستية أو انقطعت سلسلة الحيازة. وفي هذا السياق، رُصِدتْ إشارات رسمية وإعلامية تُظهر أنّ مرحلة التجميع والفرز تحتاج ضبطا أعلى من يوم الاقتراع نفسه. وتتمثل في تسليم محاضر الفرز، ونسخ النتائج لممثلي المرشحين داخل المكاتب، والتقيد بالشكل القانوني لتوثيق النتائج قبل رفعها إلى الهيئة الوطنية للانتخابات.
ولأنّ بيئة ما بعد الاقتراع تكون عادةً الأكثر عرضة للشائعات، فقد اتخذت الهيئة الوطنية للانتخابات موقفاً مباشرا ضد تداول إحصاءات مزيفة، ونتائج غير رسمية على شبكات التواصل الاجتماعية، مؤكدة حصرية النشر عبر قنواتها.
وبالتوازي، شددت بعثة مراقبة أوروبية، في تغطية منشورة، على فكرة مماثلة، مفادها: لا توقعات ولا نتائج أولية خارج الإطار الرسمي، ولا قيمة لأيّ تداول رقمي لا يستند إلى محاضر الفرز المعتمدة.
هذا التلاقي بين التحذير الوطني والانضباط الدولي قد يهدف إلى تقليل مخاطر التعبئة السياسية المبكرة قبل اكتمال التجميع؛ ولكنه في الوقت نفسه قد يفتح بابا آخر للتحليل إذا لم تمر فترة الفرز والعد بسلاسة وسلام.
وتزداد دقة المرحلة مع ظهور ادعاءات موضعية عن مخالفات (مثل شبهات صناديق محشوة، ومصادرة في بوسانغوا وفق تقارير منشورة)؛ وهي ادعاءات، حتى قبل ثبوتها، تفرض اختبارا على قدرة المؤسسات على:
- فتح تحقيقات شفافة
- حماية الأدلة
- تقديم سردية قانونية موثقة للرأي العام بدل ترك المجال لتسريبات تُستثمر سياسيًا.
معيار النجاح هنا ليس نفيّا سريعا؛ ولكنْ بناء مسار معالجة يمكن تتبعه ومراجعته.
الثقة والشرعية: قراءة أولية
الثقة في هذا النوع من الاستحقاقات تُبنى عادة من سلسلتين متوازيتين، هما: سلسلة الإجراءات (قوائم، مواد، فرز، محاضر)، وسلسلة الإحساس/الشعور العام (هل شعر المواطن أنه مُكّن من التصويت؟ هل فهم العملية؟ هل رأى رقابة وحيادًا؟).
فالملاحَظ، استناداً إلى الرصد الميداني المنشور، أنّ الثقة قد تتحسن حيث كانت الإجراءات واضحة والفرز منضبطًا؛ لكنها تتآكل سريعا حيث تكررت مشكلة الأسماء غير المدرجة، أو غابت بعض أوراق الاقتراع، أو تعطلت آليات التحقق.
أمّ على مستوى الشرعية، فلا يكفي أنْ تكون العملية سلمية؛ لأنّ الشرعية تُقاس أيضًا بـتكافؤ إمكانية المشاركة. فإذا مُنع ناخبون من التصويت بسبب تحديث غير كافٍ للسجل أو خلل تقني في إصدار البطاقة/التحقق، فإنّ المسألة تتحول من خطأ تشغيلي إلى سؤال دستوري-سياسي، وهو: هل النتائج تعكس إرادة ممكنة الوصول للجميع؟
هنا تظهر أهمية الأدوات التصحيحية المتمثلة في: محاضر دقيقة، وتمكين ممثلي المرشحين من نسخ الوثائق، ومسارات طعن واضحة لا تُدار عبر الإعلام؛ بل عبر المؤسسات ذات الصلة.
كما أنّ خطاب الفاعلين الخارجيين (مراقبين أوروبيين/غيرهم) حين يركز على الانضباط وتفادي استباق النتائج، فإنه يُسهم في تجميد التوتر، وليس في حسم الجدل.
فالشرعية لا تُستورد بتقييمات إيجابية عامة؛ بل تُنتَج محليا عبر قدرة الهيئة على إدارة مرحلة ما بعد الاقتراع، مثل: توحيد الرواية الإجرائية، إغلاق منافذ الشائعة، وتقديم مخرجات قابلة للتدقيق (محاضر/أرقام/خرائط مشاركة) ضمن جدول زمني واضح.
مؤشرات المتابعة في الأيام المقبلة
في المتابعة القريبة، يُعدّ “انضباط سلسلة إدارة النتائج” المؤشر الأول والعم؛ إذْ يجب على تساؤلات مهمة، مثل: هل تُسلَّم نسخ محاضر الفرز لممثلي المرشحين في جميع المكاتب كما ذكّرت الهيئة صراحة؟ وهل تُستكمل عمليات التجميع دون فجوات زمنية أو مناطق صامتة معلوماتيًا؟ فأيّ خلل هنا سيُقرأ مباشرة كخلل ثقة، وليس كخلل تقنية فقط.
المؤشر الثاني هو “إدارة بيئة المعلومات”، فنجاح الهيئة لا يقاس بعدد البيانات فحسب؛ بل بسرعة نزع فتيل النتائج غير الرسمية عبر تحديثات دورية قصيرة، ومؤشرات تقدم (نسبة محاضر تم استلامها/تم تدقيقها/قيد الإدخال)؛ لأن فراغ المعلومات يُملأ عادةً بأرقام متداولة لا يمكن التحقق منها.
وفي هذا السياق تتقاطع رسالة الهيئة ضد الإحصاءات المزيفة مع دعوات المراقبين لتجنب أيّ إعلان غير رسمي.
المؤشر الثالث هو “معالجة الملفات الحساسة موضعيّا” دون تعميم، مثل:
- مناطق التعطيل الأمني (مثل بامبوتي) وكيف ستُدار آثارها على الشمول.
- ادعاءات المخالفات (مثل بوسانغوا) وهل ستُحوّل إلى مسار قضائي/تحقيقي واضح بمخرجات معلنة.
- الأخطاء التشغيلية المتكررة (السجل/البطاقات/الأوراق) وهل تُوثق رسميًا لتغذية إصلاحات لاحقة بدل بقائها مادة جدل
الخاتمة
يُظهر مسار يوم الاقتراع في انتخابات 28 ديسمبر 2025م أنّ العملية الانتخابية في جمهورية إفريقيا الوسطى لا يمكن التعامل معها بوصفها لحظة حسم؛ بل كمرحلة إجرائية ضمن مسار سياسي ومؤسسي واسع النطاق.
فالسلمية العامة التي ميّزت أغلب مراحل التصويت شكّلت عنصر استقرار مهم بلا شك؛ لكنها تظل غير كافية بذاتها لتثبيت الثقة ما لم تُستكمل بإدارة منضبطة وشفافة لما بعد إغلاق الصناديق، خاصة في ظل اختلالات تنظيمية وتقنية وأمنية سُجلت بشكل متفاوت بين الدوائر.
ومن هنا، ينتقل مركز الثقل من تقييم يوم التصويت إلى اختبار ما بعده، ويتجسد ذلك في: دقة المحاضر، وانتظام عمليات التجميع، وسلامة مسارات الطعن، وقدرة المؤسسات المعنية على ضبط المجال المعلوماتي المرتبط بالنتائج.
ففي هذه المرحلة، لا تُقاس قوة العملية بما أُنجز داخل مراكز الاقتراع فحسب؛ بل بقدرتها على إنتاج مخرجات قابلة للتدقيق، وقادرة على الصمود أمام الاعتراضات المشروعة دون انزلاق إلى منطق التشكيك الشامل.
وفي هذا السياق، تكتسب الأيام والأسابيع التالية أهمية قصوى؛ إذْ ستحدد ما إذا كان الاستحقاق الانتخابي سيفضي إلى قبول سياسي متدرّج، أم سيفتح المجال أمام جدل متصاعد حول الشمول والإنصاف وتكافؤ الفرص.
وبين هذين الاحتمالين، لا يكمن التحدي في وجود الخلاف بحد ذاته؛ بل في كيفية إدارته ضمن إطار مؤسسي واضح يحوّل التنافس الانتخابي إلى مسار منضبط تحكمه القواعد لا الانطباعات.
وعليه، فإنّ انتخابات 28 ديسمبر لا تمثّل خاتمة لمسار انتخابي بقدر ما تشكّل نقطة انتقال من اختبار التصويت إلى اختبار الشرعية، ومن إدارة اليوم الانتخابي إلى إدارة الخلاف حول نتائجه.
وفي هذا الانتقال تحديداً، ستتحدد القيمة السياسية لما جرى، ليس باعتباره حدثا عابرا؛ ولكنْ كحلقة مفصلية في مسار بناء الثقة المؤسسية على المدى المتوسط.
حمل النسخة الرقمية (مستند PDF) للتقرير من هنا