تستعدّ جمهورية إفريقيا الوسطى، غدًا الأحد 28 ديسمبر 2025، لإجراء انتخابات عامة تشمل الاستحقاقات الرئاسية والتشريعية والإقليمية والبلدية، في إطار مقاربة تهدف إلى توسيع قاعدة المشاركة السياسية وترسيخ مسار اللامركزية الإدارية. ويأتي هذا الاستحقاق في سياق سياسي–أمني هش، تتقاطع فيه رهانات الشرعية السياسية مع تحديات الاستقرار وبسط سلطة الدولة على كامل الإقليم.
ويُعدّ هذا الموعد الانتخابي امتدادًا لمسار دستوري وسياسي أُعيد تشكيله عقب الاستفتاء الدستوري في يوليو 2023، الذي أسّس لما يُعرف بـ “الجمهورية السابعة“، وأعاد رسم قواعد التنافس السياسي وتوازنات السلطة القائمة. غير أنّ إجراء الانتخابات يجري في بيئة تتسم باستمرار التهديدات الأمنية، وضعف السيطرة الحكومية على أجزاء من البلاد، فضلًا عن تداخل الأدوار الإقليمية والدولية في إدارة الملف الأمني، ما يضع العملية الانتخابية في قلب معادلة معقّدة تجمع بين متطلبات الاستقرار السياسي وإدارة الصراع.
وفي هذا الإطار، تمثّل انتخابات ديسمبر 2025 اختبارًا عمليًا لقدرة جمهورية إفريقيا الوسطى على تنظيم استحقاق انتخابي يتمتع بحدٍّ أدنى من الشمولية والقبول السياسي، أو على النقيض، احتمال تحوّلها إلى عامل يُعمّق الاستقطاب السياسي ويُعيد إنتاج أنماط عدم الاستقرار.
وانطلاقًا من ذلك، سيتناول هذا التقرير الانتخابات بوصفها استحقاقًا سياسيًا يتجاوز بعدها الإجرائي، لتحليل انعكاساتها على الشرعية السياسية ومتطلبات الأمن والاستقرار في جمهورية إفريقيا الوسطى.
الإطار الدستوري والمؤسسي للعملية الانتخابية
يشكل الإطار الدستوري والمؤسسي العمود الفقري لأي عملية انتخابية نزيهة وذات مصداقية، ويكتسب أهمية مضاعفة في سياق دولة خارجة من صراع طويل، كما هو الحال في جمهورية إفريقيا الوسطى. فالانتخابات العامة لعام 2025 لا يمكن فهمها بمعزل عن الخلفية القانونية والسياسية التي أفرزها تعديل الدستور لعام 2023، الذي ألغى حد الولايتين الرئاسيتين وزاد مدة الولاية من خمس إلى سبع سنوات، ما أتاح للرئيس فوستين آرشانج تواديرا الترشح لفترة ثالثة، ومهد الطريق لإعادة تشكيل النظام السياسي نحو ما يُعرف بـ”الجمهورية السابعة”.
وقد أثار هذا التعديل جدلاً واسعاً، إذ رأت السلطة الحاكمة فيه خطوة لضمان الاستقرار السياسي واستمرارية القيادة، بينما اعتبرته المعارضة محاولة لتقويض التداول الديمقراطي وتقليص مشاركة القوى السياسية المنافسة. لم تقتصر التعديلات على مسألة الفترات الرئاسية، بل شملت أيضاً شروط الأهلية للرئاسة وإعادة هيكلة البرلمان، بما في ذلك إلغاء مجلس الشيوخ واستبداله بغرفة تمثل المشايخ التقليديين، وهو ما يقلص الرقابة التشريعية على السلطة التنفيذية ويضعف آليات المحاسبة.
على المستوى المؤسسي، تُشرف الهيئة الوطنية للانتخابات (A.N.E) على تنظيم العملية الانتخابية، من إعداد السجل الانتخابي والإشراف على مراكز الاقتراع إلى إعلان النتائج. كما يلعب المجلس الدستوري دوراً حاسماً في الفصل في الطعون القانونية المتعلقة بالترشح والنتائج، إلا أن استقلاليته وحياده تعرضا للاختبار، بعد إقالة رئيسته السابقة على خلفية حكمها بعدم قانونية إجراءات الاستفتاء.
وقد أثار هذا الإجراء قلق المراقبين حول مصداقية المؤسسات المكلفة بضمان نزاهة الانتخابات، لا سيما في ظل محاولات الطعن في أهلية الرئيس الحالي وبعض المرشحين الآخرين.
وتعكس هذه الخلفية الدستورية والمؤسسية جدلية أوسع حول طبيعة الشرعية السياسية في البلاد، حيث تسعى السلطة الحالية لترسيخ شرعية انتخابية موسعة، بينما تشكك المعارضة في نزاهة الإطار التنظيمي وتعتبر التعديلات الدستورية أداة لترسيخ سلطة الفرد الواحد. ومن ثم، فإن الانتخاب تمثل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة المؤسسات على إدارة استحقاق انتخابي شامل وشفاف، وما إذا كان هذا الاستحقاق سيسهم في تعزيز الديمقراطية والشرعية السياسية، أم في تكريس الانقسامات والاستقطاب السياسي في جمهورية إفريقيا الوسطى.
المشهد الانتخابي: المرشحون والتوازنات السياسية
يشكل المشهد السياسي الداخلي في جمهورية إفريقيا الوسطى عاملاً حاسماً في تحديد مسار الانتخابات، إذ يعكس التفاعلات بين السلطة التنفيذية وقوى المعارضة والنخب في بيئة لا تزال تتسم بهشاشة المؤسسات وضعف سيادة الدولة. ويكتسب هذا السياق أهمية خاصة لفهم مدى قدرة البلاد على تنظيم انتخابات نزيهة وذات مصداقية، في ظل استمرار الصراع على السلطة بين مختلف الفاعلين السياسيين والجماعات المؤثرة.
يشغل الرئيس فوستين آرشانج تواديرا منصب الرئاسة منذ عام 2016، وقد أسس لنفوذ واسع عبر السيطرة على المؤسسات الأمنية والعسكرية وتعزيز حضور الدولة في المناطق الخاضعة للسيطرة المركزية، إلى جانب بناء تحالفات سياسية محلية ودعم دولي يسهم في تثبيت موقعه. وتعتمد السلطة التنفيذية على هذه الشبكات لضمان السيطرة على العملية الانتخابية، لكنها تواجه قيوداً جغرافية وأمنية تحد من قدرتها على إدارة كامل التراب الوطني.
تتسم قوى المعارضة السياسية بحالة من التشرذم والانقسام، سواء بين الأحزاب السياسية أو القيادات المحلية المستقلة، فضلًا عن التيارات المدنية والدينية الساعية إلى التأثير في مسار القرار السياسي.
وتضطلع الأحزاب والنخب بدور مزدوج في هذا السياق؛ إذ تسهم من جهة في تأطير التنافس السياسي، لكنها قد تتحول من جهة أخرى إلى عامل معرقل للتوافق الوطني عندما تُسخَّر لخدمة صراعات محلية أو مصالح ضيقة. وتُظهر التجارب الانتخابية السابقة أن التحالفات التي تتشكل غالبًا ما تكون ظرفية وهشة، وتُقام على حساب التمثيل الحقيقي للمجتمع المدني، وهو ما يعكس هشاشة البنية المؤسسية وضعف القاعدة الشعبية الداعمة للعملية السياسية.
وتتداخل هذه التوازنات السياسية بشكل مباشر مع العملية الانتخابية، إذ تمنح السلطة التنفيذية أفضلية واضحة في إدارة الحملات الانتخابية عبر التحكم في الأجهزة الأمنية والإدارية، بينما تواجه المعارضة قيودًا على الحركة والموارد، ما يقلل من قدرتها على تنظيم حملات فعّالة خارج العاصمة بانغي. وتعزز التحالفات الهشة بين الأحزاب الانقسامات الداخلية، وهو ما يصب في صالح الرئيس الحالي ويحدد طبيعة المنافسة السياسية.
في الرابع عشر من نوفمبر 2025، أعلنت المحكمة الدستورية القائمة النهائية للمرشحين المقبولين للسباق الرئاسي؛ إذْ تم الموافقة على سبعة مرشحين من بين عشرة طلبات مقدمة، بينما تم رفض ثلاثة آخرين لأسباب إجرائية وقانونية تتعلق بشروط الجنسية والتعليم التي استحدثها الدستور الجديد. ويتصدر الرئيس فوستين آرشانج تواديرا قائمة المرشحين.
المرشحون السبعة الذين تم اعتمادهم، هم:
1. البروفيسور فوستين أرشانج تواديرا (Faustin Archange Touadéra)، الرئيس الحالي لجمهورية إفريقيا الوسطى، وُلد في 21 أبريل 1957 في بانغي. يتمتع تواديرا بخلفية أكاديمية قوية، فهو بروفيسور في الرياضيات، وقد تولى منصب رئيس جامعة بانغي في عهد فرانسوا بوزيزي، قبل أن يشغل لاحقًا منصب رئيس الوزراء في الفترة من 2008 إلى 2013.
تم انتخابه للمرة الأولى عقب الانتخابات الرئاسية لعام 2015-2016، حيث فاز في الجولة الثانية بنسبة 62.71% من الأصوات. وفي عام 2018 أسس حزب حركة القلوب المتحدة (MCU)، الذي أصبح بموجبه أبرز مرشحيه للرئاسة. أُعيد انتخابه لفترة ثانية في ديسمبر 2020، وفي 2023 أُقِر دستور جديد للجمهورية السابعة أتاح له الترشح لفترة ثالثة في الانتخابات الرئاسية المقررة لعام 2025.
يمزج تواديرا بين الخبرة الأكاديمية والسياسة العملية، ما يجعله أحد الفاعلين المحوريين في الحياة السياسية المعاصرة لجمهورية إفريقيا الوسطى.
2. أنيست جورج دولوغيلي (Anicet Georges Dologuélé)، اقتصادي محترف وسياسي مخضرم، شغل منصب رئيس وزراء في عهد الرئيس أنجي فيليكس باتاسي خلال الفترة من 1999 إلى 2001. وُلد دولوغيلي في 17 أبريل 1957 في بوزوم، ويشغل حاليًا منصب نائب في البرلمان ورئيس حزب الاتحاد من أجل التجديد في إفريقيا الوسطى (URCA).
برز دولوغيلي كأحد أبرز قادة المعارضة بعد مشاركته في الانتخابات الرئاسية لعام 2015، حيث حصل على 37.29% من الأصوات في الجولة الثانية، محتلاً المرتبة الثانية بعد فوستين أرشانج تواديرا. ويترشح دولوغيلي للمرة الثالثة في الانتخابات الرئاسية المقررة في 28 ديسمبر 2025، حاملًا رؤية بديلة تهدف إلى تحقيق التناوب الديمقراطي، وتعزيز الاستقرار، وإصلاح الاقتصاد، وترسيخ دولة القانون.
ومنذ عام 2020، أسس دولوغيلي حركتين سياسيتين تجمعان القوى الديمقراطية المعارضة، مبدياً رفضًا قاطعًا للترشح الجديد للرئيس تواديرا في انتخابات ديسمبر 2025، معززًا بذلك دوره كزعيم رئيسي للمعارضة في البلاد.
3. هنري-ماري دوندرا (Henri-Marie Dondra)، اقتصادي وإداري من الطراز الرفيع، وُلد في 14 أغسطس 1966 في كينشاسا بجمهورية الكونغو الديمقراطية. يحمل درجة الماجستير في المالية والدكتوراه في إدارة الأعمال، ويشغل حاليًا منصب نائب في البرلمان، كما أسس ويترأس حزب الوحدة الجمهورية (UNIR).
شغل دوندرا منصب وزير المالية والميزانية في الفترة من أبريل 2016 حتى يونيو 2021، ثم عُين رئيسًا للوزراء في 11 يونيو 2021 وحتى 7 فبراير 2022. خلال فترة توليه رئاسة الحكومة، كان دوندرا شخصية مؤثرة وقيادية بارزة داخل حزب حركة القلوب المتحدة (MCU) الحاكم آنذاك.
4. إيدي سيمفوريان كاباركوتي (Eddy Symphorien Kparekouti)، وُلد في 21 أغسطس 1969 في بانغي، ويُعتبر أحد الوجوه الجديدة على الساحة السياسية في جمهورية إفريقيا الوسطى. مهندس مدني ورجل أعمال ناجح ويواصل حاليًا دراسته لنيل الدكتوراه في الفلسفة السياسية. يخوض كاباركوتي الانتخابات الرئاسية للمرة الأولى ممثلاً حزب الوحدة وإعادة الإعمار (PUR)، الذي أسسه ويمثله منذ 30 أغسطس 2014. كما يشغل منصب رئيس اتحاد القوى الديمقراطية للمعارضة (UFDO)، وهو تحالف يجمع عدة أحزاب تسعى لتحقيق التغيير الديمقراطي في البلاد.
ينتمي كاباركوتي إلى تيار المعارضة المعتدلة، ويطمح من خلال ترشحه إلى تقديم بديل سياسي يقوم على الوحدة الوطنية، وإعادة الإعمار، وحوكمة قائمة على الكفاءة والأخلاق، مع التركيز على تعزيز الشفافية والمسؤولية في إدارة الدولة.
5. سيرج جيسلان ديوري (Serge Ghislain Djorie)، يبلغ من العمر 47 عامًا، رئيس حزب التجمع من أجل التغيير من أجل جمهورية إفريقيا الوسطى الجديدة (CAPNCA)، يعمل طبيبًا وباحثًا في معهد باستور بانغي، بالإضافة إلى كونه نقيب سابق في الجيش الوطني. يجمع ديوري بين الالتزام العلمي والطموح السياسي، ما يمنحه خلفية متميزة لمزاولة العمل العام.
عبر عن نيته الترشح للانتخابات الرئاسية لأول مرة في 2015، لكنه شارك فعليًا في السباق لأول مرة خلال انتخابات 2020. ويخوض الآن الانتخابات الرئاسية المقررة في 28 ديسمبر 2025، بهدف تقديم بديل سياسي قائم على الحوكمة والتنمية وتعزيز قطاع الصحة والسيادة الوطنية.
شغل ديوري سابقًا منصب وزير في حكومتي دوندرا ومولوّا، كما أنه عضو في منصة “سلام 2020” السياسية، وهي تحالف يدعم بعض سياسات الرئيس الحالي مع الحفاظ على موقف نقدي محدود تجاه بعض الإجراءات، مما يعكس مرونته السياسية وقدرته على التوازن بين الدعم والرقابة.
6- مارسيلين ياليمندي (Marcelin Yalemendé)، وُلد في 18 مايو 1976 في بوكا شمال جمهورية إفريقيا الوسطى. قس قس إنجيلي ويشغل منصب نائب رئيس كنيسة نور الأمم الكائنة في منطقة PK11 بمدينة بانغي.
بالإضافة إلى نشاطه الديني، فهو رجل أعمال ويترأس مجموعة “ماميون Mamion”، المتخصصة في النقل والتجارة الدولية، ويعتبر من بين قلة من المفوضين الجمركيين المعتمدين داخل دول الكوميسا والمجموعة الاقتصادية والنقدية لوسط إفريقيا (CEMAC) منذ عام 2005.
يخوض ياليمندي الانتخابات الرئاسية كمستقل، ويعد من الوجوه الجديدة نسبياً في المشهد السياسي، مما يمنحه تحديًا في كسب قاعدة شعبية واسعة بين الناخبين في جمهورية إفريقيا الوسطى.
7. أريستيد بريان ريبواس (Aristide Briand Reboas)، كاتب وسياسي ذو خبرة واسعة في المجالات الأمنية والدبلوماسية. تخرج من مركز الدراسات الدبلوماسية في باريس وكلية الدراسات العليا، وتولى عدة مناصب حساسة، أبرزها مدير المخابرات في عهد فرانسوا بوزيزي.
شغل ريبواس أيضًا منصب وزير الشباب والرياضة في حكومة مولوا 2024، وأسس مع صديقه سيرج جيسلان ديوري منصة “سلام 2020″، التي تهدف إلى دعم الرؤية السياسية للرئيس فوستين أرشانج تواديرا. يخوض ريبواس الانتخابات الرئاسية للمرة الثانية تحت راية الحزب الديمقراطي المسيحي (PCD)، بعد أن كانت محاولته السابقة للترشح في انتخابات 2015 قد رفضت من قبل الهيئة الوطنية للانتخابات (ANE) لعدم اكتمال المستندات المطلوبة.
الاستعدادات المؤسسية واللوجستية
تمثل الانتخابات محطة استثنائية من حيث نطاقها وتعقيدها، إذ ستشهد البلاد إجراء أربعة اقتراعات متزامنة في يوم واحد، تشمل الانتخابات الرئاسية، التشريعية، الإقليمية، والبلدية. ويُعد إجراء الانتخابات البلدية للمرة الأولى منذ عام 1988 أحد الالتزامات الأساسية لاتفاق السلام الموقع عام 2019، ويهدف إلى تعزيز اللامركزية وتوسيع نفوذ الدولة خارج العاصمة. غير أن هذا الطموح يصطدم بواقع لوجستي وأمني صعب، يتمثل في ضعف البنية التحتية وتواصل الهشاشة الأمنية في العديد من المناطق.
تتولى الهيئة الوطنية للانتخابات إدارة هذه العملية المعقدة، وقد سجلت حتى فبراير 2025 حوالي 2,398,158 ناخباً، مع افتتاح 98% من مراكز تسجيل الناخبين. إلا أن 58 مركزًا لا يزال مغلقاً بسبب العنف في المناطق النائية، ولم تكتمل مراجعة القوائم الانتخابية سوى في 11 مقاطعة من أصل 20. ويثير هذا التفاوت مخاوف جدية تتعلق بعدم المساواة في التمثيل، إذ قد تهيمن العاصمة والمناطق الآمنة على النتائج النهائية، ما يعمق شعور السكان في الأطراف بالتهميش السياسي.
للتغلب على هذه التحديات، لعبت بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في جمهورية إفريقيا الوسطى (MINUSCA) دوراً محورياً في سد الفجوات اللوجستية. وبحلول ديسمبر 2025، قامت البعثة بتعبئة كافة إمكانياتها الجوية والبرية لضمان نقل المواد الانتخابية الحيوية، والتي شملت توزيع المعدات والمواد على نحو 4,000 مركز اقتراع يضم 6,700 محطة انتخابية، بالإضافة إلى أوراق الاقتراع، الحبر غير القابل للإزالة، وقوائم الناخبين النهائية. كما تم تدريب نحو 3,000 فني على استخدام الأجهزة اللوحية للتحقق من هوية الناخبين ونقل البيانات بشكل سريع وآمن.
السياق الأمني وتأثيره على العملية الانتخابية
يشكل الوضع الأمني أحد المحددات الرئيسية لمسار الانتخابات في جمهورية إفريقيا الوسطى، إذ لا يزال العنف المسلح والنزاعات المحلية من أبرز العوامل التي تؤثر على نزاهة العملية الانتخابية، وشرعية نتائجها، واستقرار الدولة على المدى المتوسط. وفي بلد لم يعرف استقرارًا سياسيًا أو أمنيًا طويل الأمد منذ الاستقلال، تظل الانتخابات استحقاقًا محفوفًا بالمخاطر، خاصة في ظل انتشار الجماعات المسلحة، وتعدد التدخلات الخارجية، وضعف قدرة الحكومة على السيطرة على كامل إقليم البلاد.
تتسم خريطة العنف في البلاد بالتعقيد، مع استمرار نشاط جماعات مسلحة بارزة، أبرزها بقايا فصائل “أنتي بالاكا” و”سيليكا”، إضافة إلى مجموعات أصغر نشأت عقب اتفاقيات السلام السابقة، وتمارس نفوذًا محليًا مرتبطًا بالسيطرة على الموارد الطبيعية والممرات التجارية. وتشكل هذه الجماعات تهديدًا مباشرًا للعملية الانتخابية، سواء عبر الضغط على الناخبين، أو تعطيل مراكز الاقتراع، أو فرض قيود على الحركة، أو تحصيل إتاوات في مناطق نفوذها.
كما تشهد بعض المناطق، لا سيما الحدودية، تدخلات خارجية غير مباشرة، سواء عبر دعم جماعات مسلحة محلية أو من خلال شركات أمنية خاصة، ما يزيد من هشاشة المشهد الأمني ويعقّد جهود الدولة في تنظيم انتخابات آمنة وموثوقة على المستوى الوطني.
الترتيبات الأمنية للانتخابات
في هذا الإطار، تعتمد حكومة الرئيس فوستين-أرشانج تواديرا مقاربة أمنية مركبة، تقوم على تنسيق أدوار القوات المسلحة الوطنية (FACA)، وبعثة الأمم المتحدة المتكاملة لتحقيق الاستقرار في جمهورية إفريقيا الوسطى، إلى جانب القوات الحليفة، ولا سيما الروسية والرواندية، بهدف تقليص التهديدات المباشرة وفرض حد أدنى من الاستقرار خلال المرحلة الانتخابية.
وعلى المستوى البراغماتي، تلجأ السلطات في بعض المناطق إلى سياسات احتواء غير رسمية عبر استيعاب بعض قادة الجماعات المسلحة أو تحييدهم مؤقتًا، بما يضمن هدوءًا انتخابيًا ظرفيًا. غير أن هذه المقاربة، رغم فعاليتها الآنية، تظل محدودة الأثر على المدى المتوسط، إذ لا تعالج الأسباب البنيوية للصراع، ما يثير تساؤلات جدية حول قدرة الدولة على الحفاظ على الاستقرار بعد انتهاء الاستحقاق الانتخابي.
عملياتيًا، أسهم الانتشار المكثف للقوات الحليفة، إلى جانب إعادة انتشار وحدات المينسكا، في تأمين المدن الكبرى والمحاور الاستراتيجية، والحد من قدرة الجماعات المسلحة على تنفيذ هجمات واسعة النطاق، مقارنة بما شهدته البلاد خلال انتخابات 2020. إلا أن هذا التحسن النسبي لا يلغي استمرار التهديدات في المناطق الطرفية، خاصة في المحافظات الشمالية والجنوبية الشرقية.
دور بعثة الأمم المتحدة والخطة المتكاملة لتأمين الانتخابات
في الإطار المؤسسي، تستند الترتيبات الأمنية إلى الخطة المتكاملة لتأمين الانتخابات (PISE)، التي تم توقيعها عام 2023، باعتبارها الإطار المرجعي لتنسيق جهود جميع الفاعلين المعنيين بالعملية الانتخابية، وعلى رأسهم الهيئة الوطنية للانتخابات وبعثة الأمم المتحدة. وتهدف هذه الخطة إلى تأمين المواد الانتخابية، حماية مراكز الاقتراع والناخبين والمرشحين، وضمان حرية العملية الانتخابية في بيئة آمنة.
ويعزز هذا الدور قرار مجلس الأمن رقم 2800 الصادر في 13 نوفمبر 2025، الذي يكلّف بعثة الأمم المتحدة بدعم الحكومة في إعداد وتنظيم الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمحلية خلال عامي 2025 و2026. وتشمل مهام البعثة، إلى جانب التأمين، تقديم دعم لوجستي وفني ومالي، مع تعبئة مواردها البشرية والمادية في جميع محافظات البلاد، طوال مختلف مراحل العملية الانتخابية.
تركّز الترتيبات الأمنية قبل يوم الاقتراع على المناطق المصنّفة عالية المخاطر، مثل فاكاگا، مبومو، الهامبومو، ومنطقة ياد، حيث تتقاطع التهديدات المسلحة مع الأنشطة الإجرامية العابرة للحدود. وفي هذا السياق، يتم التنسيق بشكل دوري بين القيادة العسكرية الوطنية وقيادة البعثة عبر آلية مؤتمر رؤساء الأركان (COCEM)، لتقييم الوضع الأمني وإعادة ضبط الانتشار العملياتي وفق تطورات الميدان.
على مستوى الأمن الداخلي، لعبت شرطة الأمم المتحدة (UNPOL) دورًا محوريًا في تعزيز قدرات قوات الأمن الداخلي (FSI)، من خلال الانتشار المشترك والدوريات اليومية، منذ مرحلة تسجيل الناخبين وحتى اقتراب موعد الاقتراع، ما ساهم في استعادة قدر نسبي من ثقة السكان، خصوصًا في بانغي والمناطق النائية.
كما شملت الترتيبات الأمنية تأمين نقل المواد الانتخابية من بانغي إلى مختلف المحافظات، برًا وجوًا، مع توفير حماية مباشرة لموظفي الهيئة الوطنية للانتخابات خلال مهامهم الميدانية. ولمعالجة إشكالية ضعف البنية التحتية وصعوبة التنقل، تم تزويد القوات المسلحة وقوات الأمن الداخلي بنحو 600 دراجة نارية، ما عزز قدرتها على الانتشار السريع وتأمين المناطق المعزولة.
الأبعاد الإقليمية والدولية للانتخابات
تتجاوز الانتخابات الرئاسية المقررة في جمهورية إفريقيا الوسطى عام 2025 الحدود الوطنية، لتصبح حدثًا ذا أبعاد إقليمية ودولية واسعة، حيث يلعب الفاعلون الخارجيون دورًا حيويًا في تشكيل العملية الانتخابية وضمان نزاهتها، فضلاً عن تأثير نتائجها على الأمن والاستقرار داخل البلاد وخارجها. ويبرز هذا البعد أهمية الربط بين السياسة الداخلية والديناميات الإقليمية والدولية، بما يجعل الانتخابات مؤشراً على مدى شرعية الحكومة على الصعيدين الوطني والدولي، وعلى موقع البلاد في التحالفات الإقليمية والجيوسياسية.
دور الفاعلين الإقليميين
تتدخل مجموعة من الدول والمنظمات الإقليمية لدعم العملية الانتخابية في جمهورية إفريقيا الوسطى، أبرزها الاتحاد الإفريقي والجماعة الاقتصادية لدول وسط إفريقيا (CEEAC). وقد وصلت بعثات دولية لمراقبة سير الانتخابات، شملت المنظمة الدولية للفرانكوفونية (OIF) وشبكة هيئات إدارة الانتخابات في وسط إفريقيا (ROGEAC)، إضافة إلى مشاركة الدول المجاورة مثل تشاد وجمهورية الكونغو الديمقراطية.
يشمل دور هؤلاء الفاعلين تقديم الدعم الفني واللوجستي للهيئة الوطنية للانتخابات، ومراقبة العملية الانتخابية لضمان نزاهتها وشفافيتها. كما يسعى الفاعلون الإقليميون إلى الحد من التدخلات المسلحة العابرة للحدود وتأمين المناطق المتأثرة بالنزاع، لا سيما القريبة من الحدود الدولية، بما يعزز جهودهم في مكافحة التهريب واحتواء انتشار النزاعات، ويضمن استقرارًا نسبيًا يسهم في نجاح الانتخابات.
تأثير الفاعلين الدوليين
تلعب القوى الدولية، مثل الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة وفرنسا، دورًا بارزًا في دعم نزاهة العملية الانتخابية في جمهورية إفريقيا الوسطى، من خلال بعثات المراقبة، الدعم المالي، والإشراف على الالتزام بالمعايير الدولية. وتعتبر بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لتحقيق الاستقرار في إفريقيا الوسطى (MINUSCA) الأداة الأساسية لتأمين مراكز الاقتراع، وحماية المراقبين الدوليين والموظفين المدنيين، ورصد النشاطات المسلحة في المناطق المتأثرة بالنزاع.
كما يمارس المجتمع الدولي ضغطًا سياسيًا مستمرًا على الحكومة لضمان الشفافية الكاملة في الانتخابات، ومشاركة المعارضة دون قيود، وحماية العملية الانتخابية من أي تدخل غير مشروع، بما يعزز ثقة المواطنين والمجتمع الدولي في مصداقية الاستحقاق.
الخلاصة
في المحصلة، تُجسّد الانتخابات العامة في جمهورية إفريقيا الوسطى محطة مفصلية تتجاوز بعدها الإجرائي لتلامس جوهر معادلة الحكم والاستقرار في دولة ما زالت تعاني هشاشة بنيوية في مؤسساتها وأمنها.
فهي من جهة تمثل محاولة لإعادة إنتاج الشرعية السياسية عبر صناديق الاقتراع، ومن جهة أخرى تكشف حدود هذا المسار في ظل إطار دستوري محل جدل، ومشهد سياسي غير متكافئ، وسياق أمني يعتمد بدرجة كبيرة على الفاعلين الخارجيين.
وعليه، فإن مدى قدرة هذا الاستحقاق على الإسهام في ترسيخ الاستقرار لن يُقاس فقط بسير يوم الاقتراع، بل بكيفية إدارة مرحلة ما بعد الانتخابات، واحترام نتائجها، وفتح أفق حقيقي لحوار سياسي شامل يعالج جذور الصراع، ويعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
دون ذلك، ستظل الانتخابات أداة لإدارة الأزمة لا لحلّها، وخطوة مؤقتة في مسار طويل لم يكتمل بعد نحو دولة مستقرة وذات شرعية مستدامة.