الخميس, يناير 15, 2026
أوبانغي
English
  • الرئيسية
  • السياسات العامة
    • الحوكمة
  • ملفات الأمن
    • الأمن القومي
    • الأمن الإقليمي
  • البيئة والمناخ
  • فعاليات
  • الانتخابات
  • عن أوبانغي
  • دول السيماك
    • الغابون
      • البطاقة التعريفية – الغابون
    • الكاميرون
      • البطاقة التعريفية – الكاميرون
    • تشاد
      • البطاقة التعريفية – تشاد
    • جمهورية إفريقيا الوسطى
      • البطاقة التعريفية – جمهورية إفريقيا الوسطى
    • جمهورية الكونغو برازافيل
      • البطاقة التعريفية – الكونغو
    • غينيا الاستوائية
      • البطاقة التعريفية – غينيا الاستوائية
No Result
View All Result
أوبانغي
  • الرئيسية
  • السياسات العامة
    • الحوكمة
  • ملفات الأمن
    • الأمن القومي
    • الأمن الإقليمي
  • البيئة والمناخ
  • فعاليات
  • الانتخابات
  • عن أوبانغي
  • دول السيماك
    • الغابون
      • البطاقة التعريفية – الغابون
    • الكاميرون
      • البطاقة التعريفية – الكاميرون
    • تشاد
      • البطاقة التعريفية – تشاد
    • جمهورية إفريقيا الوسطى
      • البطاقة التعريفية – جمهورية إفريقيا الوسطى
    • جمهورية الكونغو برازافيل
      • البطاقة التعريفية – الكونغو
    • غينيا الاستوائية
      • البطاقة التعريفية – غينيا الاستوائية
No Result
View All Result
أوبانغي
قادة ميليشيا أنتي بالاكا أثناء مثولهم في إحدى جلسات المحكمة الجنائية الدولية

تداعيات إدانة قادة أنتي بالاكا على المشهد السياسي والأمني في إفريقيا الوسطى

أحمد توم إعداد أحمد توم
11 أغسطس، 2025
in الأمن القومي
قراءته تستغرق: 3 دقائق
0 0
A A
0
0
SHARES
101
VIEWS
تافيسبوكإكسواتساب

في 24 يوليو 2025، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية (ICC) حكمًا تاريخيًا بإدانة أبرز القادة السياسيين لميليشيا “أنتي بالاكا”، وهما ألفريد ييكاتوم (Alfred Yekatom)، المعروف بلقب “رمبو”، وباتريس-إدوار نغيسونا (Patrice-Edouard Ngaïssona)، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال الفترة الممتدة بين عامي 2013 و2014، على خلفية الصراع الأهلي العنيف الذي شهدته جمهورية إفريقيا الوسطى. مثّل هذا الحكم تتويجًا لمحاكمة دامت قرابة ست سنوات، واكبها جدل داخلي واسع وردود فعل متباينة، عكست حجم الانقسام المجتمعي، وتباين القراءات السياسية والأمنية لهذه الخطوة القضائية.

لا تقتصر أهمية هذا الحكم على إدانة فردين منخرطين في أعمال العنف، بل تتعداها إلى إثارة قضايا بنيوية تتصل بمسار العدالة الانتقالية وبناء دولة القانون، وترميم العلاقة المتصدعة بين الدولة والمجتمع، في سياق ما تزال فيه آثار النزاع الأهلي ماثلة، وتحتفظ فيه الجماعات المسلحة مثل أنتي بالاكا بقدرة فعلية على التأثير في توازنات السلطة والنفوذ.

وبينما رحّبت جهات حقوقية ومدنية بالحكم باعتباره انتصارًا لمبدأ المساءلة ومؤشرًا على بداية تفكيك منظومة الإفلات من العقاب، أثارت أطراف أخرى تساؤلات حول توقيته وتداعياته المحتملة على استقرار البلاد، محذرة من مخاطره على جهود المصالحة الوطنية في ظل هشاشة الوضعين السياسي والمجتمعي.

قد يعجبك أيضا

No Content Available

وفي ظل واقع أمني هش وانقسامات مجتمعية لا تزال قائمة، تكتسب هذه الإدانة بعدًا رمزيًا وسياسيًا قد يسهم في إعادة بناء الثقة في مؤسسات الدولة، شرط أن تكون جزءًا من مقاربة أشمل للعدالة الانتقالية، تقوم على إنصاف الضحايا، وضمانات عدم التكرار، وإطلاق إصلاحات حقيقية في البنية المؤسسية للدولة، بما يعزز قدرتها على استعادة زمام المبادرة وتوفير الأمن والحقوق لكافة المواطنين.

وانطلاقًا من فهم السياق المحلي وتشابكاته السياسية والأمنية، يهدف هذا المقال إلى تحليل التداعيات المحتملة للحكم الصادر بحق قادة أنتي بالاكا، وتقييم ما إذا كان يشكّل نقطة تحول فعلية في مسار المصالحة الوطنية وبناء السلام المستدام، أم أنه يظل خطوة معزولة في مسار أكثر تعقيدًا، تهيمن عليه توازنات معقدة تشمل السيادة الوطنية، ومطالب العدالة، ومساعي إعادة التفاوض على أسس بناء الدولة والمجتمع.

خلفية النزاع

ترتبط قضية محاكمة قادة أنتي بالاكا التي نظرت فيها المحكمة الجنائية الدولية بالسياق العنيف الذي شهدته جمهورية إفريقيا الوسطى خلال الفترة الممتدة من سبتمبر 2013 إلى فبراير 2014، وهي مرحلة حاسمة في تاريخ البلاد اتسمت بانهيار المنظومة السياسية القائمة وتصاعد الانفلات الأمني.

فقد شكّل استيلاء تحالف “سيليكا (Seleka)“– وهو ائتلاف مسلح مكوّن في معظمه من مقاتلين ينتمون إلى الأقلية المسلمة – على العاصمة بانغي نقطة تحوّل دراماتيكية، أطاح من خلالها بالرئيس فرانسوا بوزيزيه (François Bozizé)، معلنًا بداية مرحلة جديدة من عدم الاستقرار السياسي والتدهور الأمني الشامل.

ورغم أن تحرك السيليكا حمل في ظاهره طابعًا سياسياً مناهضًا للنظام السابق، إلا أنه سرعان ما انزلق إلى موجة من الانتهاكات الجسيمة والمنهجية لحقوق الإنسان، شملت أعمال قتل وتعذيب ونهب واستهداف مباشر للمدنيين. وقد مثّلت هذه الجرائم، بحسب توثيقات دولية متعددة، انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، وأسهمت في تأجيج المشاعر الطائفية داخل البلاد، لا سيما في صفوف الأغلبية المسيحية التي رأت في هذه الممارسات تهديدًا وجوديًا.

في هذا المناخ المتوتر، نشأت ميليشيات مسيحية مسلحة عُرفت باسم “أنتي بالاكا (Anti-Balaka)“، كقوة مضادة تسعى – ظاهريًا – لحماية المجتمعات المسيحية من تجاوزات السيليكا. إلا أن هذه الجماعات سرعان ما انزلقت بدورها إلى ارتكاب انتهاكات ممنهجة وواسعة النطاق ضد المجتمعات المسلمة، اتسمت بطابع انتقامي منظم شمل القتل الجماعي، التهجير القسري، وتدمير الممتلكات الدينية والمدنية. وقد وصفت المحكمة الجنائية الدولية هذه الأعمال بأنها “منسقة ومنهجية”، ما يعكس الأبعاد المركّبة للعنف الطائفي ويؤكد التورط المتعمد لهذه الميليشيات في جرائم ضد الإنسانية.

لقد مثّل هذا التصعيد غير المسبوق في العنف المسلح انعكاسًا لانهيار البنية الأمنية، وتفكك النسيج المجتمعي، وإعادة إنتاج للهويات الطائفية بوصفها أدوات للصراع السياسي. وهو السياق العيني الذي أفرز القادة المتهمين – ألفريد ييكاتوم وباتريس-إدوار نغيسونا – باعتبارهما من أبرز الفاعلين في تشكيل وتوجيه ميليشيا أنتي بالاكا، ما وضعهما في صلب الاهتمام القضائي الدولي ضمن إطار المساءلة عن الجرائم المرتكبة خلال تلك المرحلة الحرجة من تاريخ البلاد.

من التوقيف إلى الإدانة

في إطار المساعي الرامية إلى ترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب وتحقيق العدالة الدولية بشأن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتكبة خلال النزاع المسلح في جمهورية إفريقيا الوسطى، باشرت المحكمة الجنائية الدولية إجراءات قانونية استهدفت قادة من ميليشيا أنتي بالاكا، لضلوعهم في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وقد مثّل هذا المسار القضائي محطة مفصلية في مساءلة مرتكبي الفظائع التي طالت المدنيين خلال النزاع الداخلي الذي اندلع منذ عام 2013، لاسيما في العاصمة بانغي والمناطق الغربية من البلاد.

أولًا: الإجراءات الأولية والتوقيف

بدأ تدخل المحكمة الجنائية الدولية في قضية قادة أنتي بالاكا بإصدار مذكرة توقيف بحق ييكاتوم في 11 نوفمبر 2018. وكانت القوات المسلحة في جمهورية إفريقيا الوسطى قد ألقت القبض عليه في 29 أكتوبر من العام نفسه، ليتم تسليمه لاحقًا إلى المحكمة في لاهاي بتاريخ 17 نوفمبر 2018. وظهر ييكاتوم لأول مرة أمام الدائرة التمهيدية الثانية في 23 نوفمبر 2018.

لاحقًا، أصدرت المحكمة مذكرة توقيف أخرى ضد نغيسونا بتاريخ 7 ديسمبر 2018، ألقت على إثرها السلطات الفرنسية القبض عليه في 12 ديسمبر، وتم تسليمه إلى المحكمة في 23 يناير 2019 بعد استكمال الإجراءات القضائية المحلية. وقد مثُل بدوره أمام الدائرة التمهيدية الثانية في 25 يناير 2019. ونظرًا لتداخل الوقائع والاتهامات، قررت الدائرة التمهيدية الثانية ضم القضيتين في ملف واحد بتاريخ 20 فبراير 2019، تمهيدًا للشروع في إجراءات المحاكمة.

ثانيًا: تأكيد التهم والإحالة إلى المحاكمة

انطلقت جلسات تأكيد التهم في الفترة من 19 إلى 25 سبتمبر، واستُكملت في 11 أكتوبر 2019. وبتاريخ 11 ديسمبر من العام ذاته، أصدرت الدائرة التمهيدية الثانية قرارًا يقضي بتأكيد جزئي للتهم الموجهة إلى المتهمَين، والتي شملت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ونتيجة لذلك، تمّت إحالة الملف رسميًا إلى الدائرة الابتدائية.

وفي 11 مارس 2020، رفضت الدائرة التمهيدية طلب الادعاء بإعادة النظر في قرار تأكيد التهم أو منحه إذنًا بالاستئناف، منهية بذلك اختصاصها في هذه المرحلة من الإجراءات. وفي 13 مارس، نُقل ملف القضية إلى رئاسة المحكمة، التي قررت بدورها بتاريخ 16 مارس 2020 تشكيل الدائرة الابتدائية الخامسة برئاسة القاضي برترام شميت وعضوية القاضيين بيتر كوفاتش وتشانغ-هو تشونغ.

ثالثًا: سير المحاكمة وتقديم الأدلة ضد قادة أنتي بالاكا

افتُتحت جلسات المحاكمة أمام الدائرة الابتدائية الخامسة في المحكمة الجنائية الدولية بتاريخ 16 فبراير 2021، وشكّلت هذه المرحلة القضائية محطة محورية في مسار محاسبة المتورطين في الجرائم المرتكبة خلال الحرب الأهلية في جمهورية إفريقيا الوسطى. على مدار الجلسات، قدم الادعاء قائمة موسعة ضمّت 114 شاهدًا، ساهموا في دعم التهم الموجهة إلى المتهمين، والمتعلقة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في إطار الأنشطة المسلحة لميليشيا أنتي بالاكا. كما أدلى ثلاثة شهود إضافيون بشهاداتهم نيابةً عن الضحايا، بدعم من ممثليهم القانونيين، مما عزز من سردية الاتهام التي تستند إلى وقائع ميدانية موثقة.

في المقابل، شرعت فرق الدفاع عن المتهمين في تقديم مرافعاتها وشهودها، بدءًا بالدفاع عن نغيسونا الذي استهل مرافعته في وقت مبكر، قبل أن تبدأ هيئة الدفاع عن ألفريد ييكاتوم مرافعتها الافتتاحية بتاريخ 28 نوفمبر 2023. وبداية من 11 ديسمبر 2023، انطلقت جلسات الاستماع لشهود الدفاع، واستمرت حتى ختامها الرسمي في 27 و28 أغسطس 2024، حيث قدّم نغيسونا بيانًا غير محلف أمام المحكمة، ليكون آخر ما عُرض ضمن مرحلة تقديم الأدلة.

 تميزت هذه المرحلة بتوازن دقيق بين تقديم الأدلة والشهادات من جميع الأطراف، ما أتاح للمحكمة تكوين صورة شاملة حول دور قادة أنتي بالاكا في تنظيم وتنفيذ الانتهاكات، تمهيدًا لإصدار الحكم النهائي في القضية.

رابعًا: الجلسات الختامية وإصدار الحكم

بين 9 و12 ديسمبر 2024، انعقدت الجلسات الختامية أمام الدائرة الابتدائية الخامسة في المحكمة الجنائية الدولية، حيث قدّمت الأطراف الثلاثة الرئيسية – مكتب الادعاء، هيئات الدفاع، والممثلون القانونيون للضحايا – مرافعاتهم النهائية أمام المحكمة. وشهدت هذه الجلسات نقاشًا مباشرًا مع هيئة القضاة، مما أتاح لكل طرف عرض دفوعه وتحليلاته القانونية بشكل تفصيلي.

في أعقاب ذلك، قُدمت مذكرات مكتوبة تتعلق بالعقوبات المحتملة في 13 و16 ديسمبر 2024، تضمنت مقترحات بشأن مستوى العقوبة الملائم لكل متهم بناءً على جسامة الجرائم المرتكبة. وقد خُصصت جلسة لاحقة بتاريخ 8 و9 يناير 2025 لمناقشة العقوبة بشكل تفصيلي، مع التركيز على طبيعة الانتهاكات المرتبطة بأنشطة ميليشيا أنتي بالاكا وتأثيرها على المدنيين.

وفي 24 يوليو 2025، أصدرت المحكمة حكمها النهائي، حيث أدانت كلاً من ألفريد ييكاتوم وباتريس-إدوار نغيسونا بارتكاب عدد من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ارتكبت في سياق الهجمات التي شنتها ميليشيا أنتي بالاكا في العاصمة بانغي ومناطق غرب البلاد بين سبتمبر 2013 وفبراير 2014.

جاء الحكم بالسجن لمدة 15 عامًا بحق ييكاتوم و12 عامًا بحق نغيسونا، مع احتساب فترة الاحتجاز السابقة ضمن العقوبة. وقد اعتُبر هذا الحكم بمثابة سابقة قضائية في سياق ملاحقة قادة الميليشيات في إفريقيا الوسطى، وإشارة واضحة إلى جدية المحكمة في مكافحة الإفلات من العقاب، خصوصًا فيما يتعلق بالجرائم المنظمة التي نُسبت إلى أنتي بالاكا.

خامسًا: طبيعة التهم والأدلة المعتمدة

شملت لائحة التهم الموجهة إلى المتهمَين جرائم ذات طابع جسيم، من بينها القتل العمد، الاضطهاد الديني، الترحيل القسري، التعذيب، وتجنيد الأطفال دون سن الخامسة عشرة للمشاركة في الأعمال القتالية. وقد استندت المحكمة إلى سجلّ أدلة موسّع شمل 174 شاهدًا، توزّعوا بين شهود الادعاء (114)، ممثلي الضحايا (3)، الدفاع (56)، بالإضافة إلى شاهد واحد استدعته المحكمة من تلقاء نفسها. وتنوعت الأدلة المقدَّمة بين وثائق رسمية، صور فوتوغرافية، مقاطع فيديو، وصور أقمار صناعية، ما أتاح للمحكمة تكوين سجل واقعي شامل يدعم الإدانة.

وبعد تحليل شامل لهذه الأدلة والشهادات، توصلت المحكمة إلى إدانة المتهمَين دون وجود شك معقول في مسؤوليتهما عن الأفعال المنسوبة إليهما. وعلى الرغم من مطالبة الادعاء بإنزال عقوبة السجن لمدة 22 عامًا بحق ييكاتوم و20 عامًا بحق نغيسونا، قررت المحكمة تخفيض العقوبة إلى الثلث، مراعيةً بعض العوامل التخفيفية، مثل سلوك المتهمَين وتعاونهما أثناء المحاكمة. كما مُنح كلا الطرفين حق الطعن في الحكم خلال ثلاثين يومًا من تاريخ صدوره.

سادسًا: المرحلة اللاحقة وتنفيذ العقوبة

بعد صدور الحكم في 24 يوليو 2025، من المقرر أن يواصل كل من ييكاتوم ونغيسونا قضاء فترة العقوبة في مركز الاحتجاز التابع للمحكمة الجنائية الدولية، وذلك إلى حين تحديد الدولة المستضيفة التي ستتولى تنفيذ العقوبة السالبة للحرية، وفقًا لما تنص عليه اتفاقيات التعاون الموقعة بين المحكمة وعدد من الدول الأعضاء.

ويُعتبر هذا الإجراء جزءًا من الآليات المعتمدة في تنفيذ الأحكام الصادرة ضد المتهمين في قضايا الجرائم الدولية الكبرى، كما هو الحال في محاكمة قادة أنتي بالاكا. ويتيح النظام القضائي للمحكمة، في هذه المرحلة، إمكانية الطعن في الحكم أو في العقوبة من قبل الادعاء أو الدفاع، وذلك أمام دائرة الاستئناف، بما يفتح المجال لمراجعة قانونية محدودة ترتكز على الجوانب الإجرائية أو تقييم الأدلة.

ورغم أن الإدانة الأولية قد أغلقت فصلًا هامًا في مسار المساءلة القانونية، إلا أن المرحلة اللاحقة ستحدد ما إذا كان هذا الحكم سيُنفذ دون تغيير، أم أن المسار القضائي سيُستكمل في إطار الاستئناف.

المسؤولية الجنائية الفردية للمتهمين

أبرزت المحكمة الجنائية الدولية، في حيثيات حكمها الصادر في 24 يوليو 2025، المسؤولية الجنائية الفردية لكل من ييكاتوم ونغيسونا، وذلك من خلال تحليل منهجي وشامل للأدلة الجنائية المتوفرة، وربطها بالسياقات الزمنية والمكانية لارتكاب الانتهاكات. وقد بيّنت المحكمة بوضوح مدى تورط كل منهما، سواء على مستوى التخطيط أو التنفيذ أو التسهيل، في سلسلة من الجرائم الجسيمة التي تشكل انتهاكًا صارخًا لأحكام القانون الدولي الإنساني.

أولًا: ألفريد ييكاتوم

ولد ييكاتوم في عام 1975 بمدينة بيمبو (Bimbo)، وشغل منصب عريف أول سابق في القوات المسلحة لجمهورية إفريقيا الوسطى، كما انتُخب عضوًا في البرلمان بين ديسمبر 2013 وأغسطس 2014، تولّى قيادة ميليشيا أنتي بالاكا، حيث أشرف على حوالي 3,000 مقاتل خلال واحدة من أكثر مراحل النزاع الأهلي عنفًا في البلاد.

وقد أثبتت المحكمة مسؤوليته الجنائية عن ارتكاب عشرين جريمة من صنف جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ارتُكبت خلال الهجمات التي شنتها ميليشيا أنتي بالاكا على العاصمة بانغي، ومدينة ياموارا (Yamwara)، والطريق الواصل بين منطقة PK9 ومدينة مبايكي (Mbaïki)، وهي مناطق شهدت نشاطًا عسكريًا مكثفًا لتلك الجماعة المسلحة.

شملت هذه الجرائم، وفقًا لوقائع المحكمة، القتل العمد، التهجير القسري، استهداف المدنيين، تدمير دور العبادة، التعذيب، المعاملة اللاإنسانية، الاحتجاز غير المشروع، إلى جانب الاضطهاد الممنهج القائم على أساس ديني وعرقي. وأكدت المحكمة أن ييكاتوم لم يكن مجرّد عضو فاعل ضمن الجماعة المسلحة، بل كان يشغل موقعًا قياديًا محوريًا في توجيه العمليات، ولا سيما خلال الهجومين المنسقين في 5 ديسمبر 2013، واللذين استهدفا حي PK5 في العاصمة بانغي، ومدينة بوسانغوا (Bossangoa)، حيث وقعت انتهاكات واسعة النطاق اتسمت بسمات الطائفية والعنف المنظم.

وقد خلصت المحكمة إلى أن هذه الهجمات تمثّل نموذجًا صارخًا للتصعيد الممنهج للنزاع إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية، لما انطوت عليه من تخطيط مسبق وتنسيق دقيق، إضافة إلى التأثيرات الكارثية التي خلّفتها على المدنيين، لا سيما من المسلمين. وقد شكّلت هذه الممارسات جزءًا من استراتيجية متعمدة تهدف إلى تغيير البنية الديمغرافية والاجتماعية للمنطقة، وهو ما يكشف عن دور ييكاتوم المركزي في استخدام العنف الطائفي كأداة للسيطرة وإعادة تشكيل الواقع السياسي والاجتماعي خارج إطار القانون وحقوق الإنسان.

ثانيًا: باتريس-إدوار نغيسونا

وُلد نغيسونا في 30 يونيو 1967 بمدينة بيغوا (Begoua)، وقد شغل مناصب بارزة في الدولة، من بينها وزير الرياضة ورئيس اتحاد كرة القدم في جمهورية إفريقيا الوسطى خلال عهد الرئيس السابق فرانسوا بوزيزيه. ومع تصاعد الصراع المسلح في ديسمبر 2013، برز نغيسونا كأحد القادة السياسيين والعسكريين البارزين في صفوف ميليشيا أنتي بالاكا، ليصبح لاحقًا أحد أبرز الوجوه المرتبطة بالجرائم والانتهاكات الجسيمة التي شهدتها البلاد خلال تلك المرحلة.

وقد أدانته المحكمة الجنائية الدولية بثمانٍ وعشرين تهمة جنائية خطيرة، الأمر الذي يعكس مدى تورطه المباشر وغير المباشر في سلسلة واسعة من الأفعال التي ترقى إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. وبالرغم من عدم مشاركته الميدانية المباشرة في عدد من تلك الانتهاكات، أثبتت المحكمة، عبر تحليل منهجي للأدلة المادية وشهادات الشهود، أن نغيسونا اضطلع بدور جوهري في التحريض والتخطيط وتقديم الدعم اللوجستي، ما جعله عنصرًا حاسمًا في تمكين العمليات العسكرية وتوسيع نطاقها الجغرافي.

وتضمنت التهم الموجهة إليه معظم الجرائم التي أُدين بها ييكاتوم، بما في ذلك القتل العمد، التهجير القسري، الاضطهاد الديني، والاعتداء على دور العبادة. كما شملت أيضًا جريمة تدمير الممتلكات المدنية، والتي أُضيفت إلى لائحة الاتهام لاحقًا، بعد أن كشفت تحقيقات موسعة عن أنماط ممنهجة من استهداف البنية التحتية لأسباب طائفية وانتقامية.

وأظهرت مجريات المحاكمة أن نغيسونا لم يكن مجرد واجهة سياسية للميليشيا، بل كان منخرطًا في تأمين التمويل، وشراء الأسلحة، وتوزيعها، بالإضافة إلى تسهيل حركة المقاتلين بين المناطق، مستفيدًا من شبكة نفوذ واسعة تمتد عبر مؤسسات رسمية وغير رسمية.

وأوضحت الأدلة التي اعتمدتها المحكمة أن مساهماته لم تكن هامشية أو محصورة في الشؤون الإدارية، بل كانت بمثابة المحرك الرئيسي لتصعيد العنف واتساع رقعة الجرائم المرتكبة، خصوصًا في مناطق شهدت أعنف الهجمات، مثل بانغي، بوسانغوا، وياموارا، فضلاً عن الطريق الرابط بين منطقة PK9 ومدينة مبايكي. وقد عكست هذه الأدوار، التي أدّاها نغيسونا من موقعه القيادي، درجة عالية من التأثير في صنع القرار داخل أنتي بالاكا، وساهمت في توفير البنية السياسية والتنظيمية اللازمة لارتكاب انتهاكات واسعة النطاق.

وتُعد إدانته نموذجًا متقدمًا لتطبيق مفهوم المسؤولية الجنائية غير المباشرة، حيث لا يُشترط إثبات المشاركة الفعلية في تنفيذ الجرائم، بقدر ما يُركَّز على الدور القيادي في تمكين وقوعها وتوفير الظروف الملائمة لحدوثها. وتؤكد هذه المقاربة أهمية توسيع نطاق المساءلة الجنائية لتشمل مستويات القيادة السياسية والاستراتيجية في النزاعات المسلحة، باعتبارها فاعلًا لا يقل أثرًا عن المجرمين المباشرين، لا سيما عندما تكون الانتهاكات نتيجة قرارات مُمنهجة تستهدف تقويض النظام القانوني والإنساني في أوقات الحرب.

ردود الفعل على الحكم

أثار الحكم الصادر عن المحكمة الجنائية الدولية بحق كلٍّ من ييكاتوم ونغيسونا تباينًا في ردود الفعل على المستويين المحلي والدولي، بين من اعتبره خطوة إيجابية نحو إنهاء الإفلات من العقاب، ومن رأى فيه إجراءً انتقائيًا يعكس تعقيدات المرحلة الانتقالية في جمهورية إفريقيا الوسطى.

أولًا: على المستوى الرسمي المحلي

عبّرت السلطات الرسمية في بانغي عن ترحيبها بالحكم، واعتبرته تطورًا نوعيًا في مسار العدالة الانتقالية ومكافحة الإفلات من العقاب. وفي تصريحات لشبكة الصحفيين من أجل حقوق الإنسان (RJDH)، أكّد المتحدث باسم رئاسة الجمهورية، ألبرت يالوكه موكبيمي (Albert Yaloké Mokpeme)، أن القرار يشكّل علامة فارقة تعزّز هيبة القانون وتكرّس مبدأ المساءلة.

من جانبه، أوضح وزير الإعلام والمتحدث الرسمي باسم الحكومة، ماكسيم بالالو (Maxime Balalou)، أن الحكم ينسجم مع التوجّه العام لرئيس الجمهورية، فوستان-أركانج تواديرا، القائم على مبدأ “عدم التسامح مع الجرائم الجسيمة”. وفي هذا الإطار، رأت الحكومة أن القرار يفتح آفاقًا لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتفكيك البُنى المسلحة الخارجة عن القانون، بما يدعم أسس المصالحة الوطنية ويُرسّخ دولة القانون.

ثانيًا: على مستوى المجتمع المدني المحلي

اتسمت مواقف الفاعلين المدنيين ونشطاء حقوق الإنسان بالحذر والترقب، رغم الترحيب المبدئي بالحكم. فقد اعتبر المحامي هياسينت برونو غبيغبا (Maître Hyacinthe Bruno Gbiegba)، أن المحاكمة جرت في إطار من العدالة الإجرائية، حيث أُتيح للضحايا والمتهمين تقديم دفوعهم. لكنه في الوقت ذاته نبّه إلى خطورة حصر المساءلة في طرف واحد، داعيًا إلى توسيع نطاق المحاكمات ليشمل جميع الأطراف المنخرطة في النزاع، بما في ذلك عناصر من الأجهزة الرسمية والجماعات المسلحة المناوئة.

وفي المقابل، عبّر حزب الوحدة من أجل التنمية (PCUD)، الذي يتزعمه نغيسونا، عن رفضه للحكم، معتبرًا إياه “تسييسًا للعدالة”. وأوضح الحزب، في بيان رسمي، أن المحكمة تجاهلت شهود النفي ولم تأخذ في الحسبان تعقيدات المرحلة التي مرّت بها البلاد إبان الحرب الأهلية، مشيرًا إلى أن نغيسونا لم يكن محرضًا على العنف، بل كان يسعى لتحقيق السلام. كما اتهم الحزب السلطات في بانغي بالتأثير على مسار القضاء الدولي، معتبرًا أن الحكم حوّل نغيسونا إلى “كبش فداء” لتوازنات سياسية داخلية وخارجية.

ثالثًا: على المستوى الدولي

لقي الحكم ترحيبًا واضحًا من قبل المنظمات الحقوقية الدولية والهيئات القضائية. فقد اعتبرت منظمة “هيومن رايتس ووتش” القرار إنجازًا ملموسًا في سجل العدالة الدولية المتعلقة بإفريقيا الوسطى، مشيرة إلى أن إدانة قياديين بارزين في ميليشيا أنتي بالاكا يمثل خطوة جوهرية على طريق إنصاف الضحايا. وأكد لويس مادج (Lewis Mudge)، مدير قسم وسط إفريقيا في المنظمة، أن هذا الحكم لا يجب أن يُنظر إليه كنهاية لمسار العدالة، بل كمحفّز لمواصلة ملاحقة كافة المتورطين في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

من جانبه، أكّد مايك كول (Mike Cole)، ممثل المحكمة الجنائية الدولية في بانغي، أن المحكمة استندت في قرارها إلى أدلة قوية وموثوقة، خضعت لمراجعة دقيقة من قبل قضاة مستقلين. واعتبر كول أن الحكم يحمل رسالة واضحة مفادها أن الجرائم الخطيرة لا تسقط بالتقادم، وأن القيادة الحقيقية تتطلب خضوعًا للمساءلة. وفي هذا الإطار، وجّه دعوة مباشرة إلى نور الدين آدم، أحد أبرز المطلوبين للعدالة الدولية، مطالبًا إياه بتسليم نفسه كخطوة مسؤولة نحو إحلال السلام، ومؤكدًا أن الإفلات من العقاب لا يمكن أن يكون أساسًا للاستقرار.

يتّضح من تعدّد المواقف أن الحكم يمثل لحظة محورية في مسار العدالة الانتقالية في جمهورية إفريقيا الوسطى، لكنه لا يخلو من الجدل. ففي حين تراه السلطات الرسمية والمنظمات الدولية خطوة نحو ترسيخ المساءلة وتعزيز سيادة القانون، تعبّر بعض مكونات المجتمع المدني وقوى سياسية عن مخاوفها من الانتقائية وتسييس القضاء. ويعيد هذا الجدل طرح تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة القضاء الدولي على تحقيق عدالة شاملة، تراعي تعقيدات السياق المحلي وتساهم في بناء سلام دائم.

التداعيات السياسية والأمنية للحكم

يشكل الحكم الصادر عن المحكمة الجنائية الدولية بحق قيادات بارزة من جماعة أنتي بالاكا نقطة تحول جوهرية في المشهد السياسي–الأمني لجمهورية إفريقيا الوسطى، إذ لا يقتصر أثره على كونه إجراءً قضائيًا دوليًا، بل يمتد ليكون أداة مؤثرة في إعادة تشكيل بنية السلطة وموازين القوى داخل الدولة. فهذا الحكم يفتح المجال لترسيخ مبدأ المساءلة وتعزيز سيادة القانون، بما يساهم في إعادة بناء الشرعية السياسية على أسس دستورية، ويضعف في الوقت ذاته القدرات التعبوية للجماعات المسلحة، ويعيد صياغة معادلات القوة الأمنية. وبهذا المعنى، يكتسب الحكم أبعادًا متداخلة تجمع بين اعتبارات العدالة الانتقالية ومتطلبات الأمن الوطني، ليصبح عنصرًا محوريًا في مسار إعادة بناء الدولة واستعادة الاستقرار.

أولًا: التداعيات السياسية

1. ترسيخ مبدأ المساءلة

لا يُمثل الحكم مجرد إدانة فردية، بل يشكل سابقة قضائية ترسخ ثقافة سياسية قائمة على الالتزام الصارم بسيادة القانون، وتُنهي نهج دمج الفاعلين المسلحين في بنية السلطة ضمن تسويات سياسية هشة. فإدانة شخصيات نافذة كانت تشكل جزءًا من التوازنات القائمة تقطع حلقة الحصانة التي طالما أتاحت استخدام العنف كأداة تفاوضية.
كما يبعث الحكم رسالة واضحة للنخب السياسية والعسكرية مفادها أن الانتهاكات الجسيمة، حتى وإن تمت تحت ذرائع الحماية الطائفية أو الدفاع عن المصالح المحلية، لم تعد مقبولة في ظل بيئة قانونية دولية ملزمة. وهو ما يعزز احتكار الدولة للشرعية السياسية، ويحدّ من إعادة إنتاج العنف في العملية السياسية.

2. تعزيز سيادة القانون وشرعية الدولة

عكست إجراءات المحاكمة التزامًا رفيع المستوى بالمعايير القانونية الدولية، سواء من حيث ضمان حقوق الدفاع أو حماية حقوق الضحايا، بما يجسد نضجًا مؤسسيًا في التعامل مع الجرائم ذات الطابع الدولي. وقد أسهم هذا النهج في ترسيخ صورة الدولة بوصفها كيانًا يستمد شرعيته من مرجعية القانون والمؤسسات، لا من التفاهمات المؤقتة أو الولاءات الزبائنية.
كما أن تعاون السلطات الوطنية مع المحكمة الجنائية الدولية – من خلال تسليم المتهمين وتوفير بيئة قانونية ملائمة – يمثل تحولًا استراتيجيًا من نهج التواطؤ مع الفاعلين المسلحين إلى تبني خيار العدالة كمسار حاكم. ويعيد هذا التحول تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن عبر جعل مؤسسات إنفاذ القانون أداة مشروعة لحماية الحقوق، بما يعزز مسار الانتقال السياسي ويعيد للدولة هيبتها وقدرتها على فرض النظام في مناطق النزاع.

3. إعادة تفعيل مسار المصالحة الوطنية

أتاح الحكم الصادر مساحة اعتراف رسمية بمعاناة الضحايا، بما يشكل محطة محورية نحو تحقيق مصالحة وطنية حقيقية قائمة على مساءلة الجناة واستعادة كرامة المتضررين. ويمثل هذا التحول ركيزة أساسية لإعادة بناء العقد الاجتماعي الذي تآكل بفعل عقود من النزاعات، من خلال إعادة تشكيل الذاكرة الوطنية على أسس الحقيقة والعدالة. كما يضع أساسًا متينًا لصياغة خطاب وطني جامع يتجاوز الانقسامات الطائفية والمناطقية، ويهيئ الظروف لمأسسة العدالة بوصفها أحد الركائز الجوهرية لبناء دولة ديمقراطية مستقرة وقادرة على احتواء التوترات المجتمعية وضمان استدامة السلم الأهلي.

ثانيًا: التداعيات الأمنية

1. تقويض البنية القيادية للجماعات المسلحة

يشكل الحكم الصادر ضربة نوعية للبنية القيادية للجماعات المسلحة، من خلال إقصاء شخصيات كاريزماتية كانت تمثل مراكز ثقل في عمليات الاستقطاب وإضفاء الشرعية الداخلية. ويؤدي غياب هذه القيادات إلى إضعاف التماسك التنظيمي، وانهيار شبكات الولاء التي اعتمدت عليها الميليشيات لترسيخ سيطرتها في البيئات المحلية، ما يحد من قدرتها على إدارة الصراع أو الحفاظ على نفوذها الميداني.

2. إضعاف الجاذبية التعبوية للجماعات

لقد جسّد كل من ييكاتوم ونغيسونا نموذجًا لاستثمار العنف المسلح في إنتاج نفوذ سياسي في سياق يفتقر إلى الردع القانوني. ومع صدور الحكم، تتراجع صورة “القائد الحامي” التي مثّلت ركيزة أساسية في الخطاب التعبوي لهذه الجماعات، وهو ما يقلل من قدرتها على استقطاب الفئات المهمشة التي كانت تنظر إلى الانضمام إليها كبديل عن غياب مؤسسات الدولة، وبذلك ينحسر حضورها في المشهد الأمني والاجتماعي على حد سواء.

3. إعادة هيكلة موازين القوة الأمنية

يسهم الحكم في إعادة صياغة توازنات القوة بين الدولة والجماعات المسلحة، لا سيما إذا جرى توظيفه ضمن إستراتيجية أمنية شاملة تشمل إعادة الانتشار وبسط سلطة الدولة على المناطق الخارجة عن السيطرة. ويوفر هذا القرار غطاءً قانونيًا وشعبيًا لأي تدخل أمني لاحق، بما يعزز قدرة المؤسسات الأمنية على فرض النظام وفق قواعد الشرعية الوطنية والدولية على حد سواء.

4. تعزيز شرعية مؤسسات إنفاذ القانون

يؤكد الحكم أن الدولة، حتى في حال استعانتها بآليات قضائية دولية، تحتفظ بحقها السيادي في ملاحقة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة. وهذا يتيح استعادة الاعتبار للمؤسسات الأمنية الوطنية وتكريس صورتها كفاعل شرعي في حماية المواطنين، خاصة في المناطق التي عانت فراغًا أمنيًا أو اختلالات مزمنة في بنيتها الأمنية.

5. إتاحة الفرصة لإصلاح قطاع الأمن

يشكل الحكم مدخلًا لإعادة هيكلة قطاع الأمن عبر تبني برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (DDR)، وتطوير عقيدة أمنية جديدة ترتكز على تحييد الفاعلين المسلحين غير النظاميين وتعزيز الاحتكار المشروع لاستخدام القوة. كما يمهّد لبناء شراكات استراتيجية بين الأجهزة الأمنية والمجتمعات المحلية، بما يعزز الأمن المجتمعي ويضمن استدامة الاستقرار، ويحد من احتمالات تجدد التهديدات المسلحة.

فرص وتحديات توظيف الحكم سياسيًا وأمنيًا

على الرغم من الأبعاد القانونية والرمزية البارزة المترتبة على إدانة كلٍّ من ييكاتوم ونغيسونا أمام المحكمة الجنائية الدولية، فإن القيمة العملية لهذا الحكم تظل مشروطة بمدى قدرة الدولة على توظيفه ضمن مقاربة استراتيجية شاملة لإعادة هيكلة المشهدين السياسي والأمني في البلاد. إذ إن صدور الحكم، مهما بلغت قوته القانونية ورمزيته الدولية، لا يكفي لإحداث تحول بنيوي ما لم يُدمَج في إطار منظومة سياسات متكاملة تستهدف تفكيك البُنى المنتجة للعنف، وترسيخ مبدأ احتكار الدولة لاستخدام القوة المشروعة، وضمان إنفاذ العدالة على أسس الحياد والاستقلالية المؤسسية.

أولًا: التحديات الجوهرية أمام توظيف الحكم

1. هشاشة البنية المؤسسية لمنظومتي الأمن والعدالة

على الرغم من التعاون الرسمي المعلن مع المحكمة الجنائية الدولية، لا تزال المؤسسات القضائية والأمنية الوطنية تعاني من قصور هيكلي في الكفاءة التشغيلية، ونقص حاد في الموارد البشرية والمادية، وضعف في الاستقلالية، فضلًا عن فجوات جغرافية واسعة تحد من قدرتها على فرض السلطة في المناطق الطرفية والنائية. ويُعد الانتقال من عدالة دولية إلى منظومة عدالة وطنية شاملة وفعّالة مسارًا معقدًا يتطلب إصلاحًا مؤسسيًا عميقًا للأطر القانونية والإدارية، مع بناء قدرات متخصصة قادرة على إنفاذ القانون وفقًا لمعايير النزاهة والحياد المؤسسي.

2. مخاطر تسييس العدالة وانتقائية المساءلة

في غياب التزام شامل بإخضاع جميع الأطراف المنخرطة في النزاع للمساءلة القانونية – بما في ذلك فصائل أنتي بالاكا وسيليكا وبعض العناصر التابعة للقوات المسلحة – يظل الحكم عرضة لإعادة توظيفه في سياق تصفية الحسابات السياسية. مثل هذا التوظيف يهدد بإضعاف الثقة الشعبية في منظومة العدالة، ويقوِّض فرص التوصل إلى مصالحة وطنية شاملة ومستدامة.

3. استمرار التهديدات الميدانية للجماعات المسلحة

ما تزال الجماعات المسلحة تفرض سيطرة فعلية على مساحات شاسعة من أراضي الدولة، وتواصل ارتكاب انتهاكات ممنهجة ضد المدنيين، الأمر الذي يشكل عائقًا جوهريًا أمام تنفيذ أي إجراءات فعّالة للعدالة أو المصالحة على الأرض. كما قد تلجأ هذه الجماعات إلى استثمار الحكم لتعزيز سرديات المظلومية والتهميش، بغية زيادة قدرتها على التجنيد، أو لتبرير استمرار أنشطتها العنيفة.

ثانيًا: فرص توظيف الحكم

1. بلورة خطاب سياسي جامع مرتكز على العدالة الشاملة

يشكّل الحكم فرصة لإعادة صياغة الخطاب السياسي على أسس العدالة الشاملة باعتبارها إطارًا وطنيًا جامعًا، يتجاوز الإقصاء السياسي ويبتعد عن التوظيف الانتقامي للعدالة. ويمكن استثمار هذه اللحظة لإطلاق حوار وطني شامل، تشارك فيه مختلف المكونات السياسية والاجتماعية، بهدف صياغة ميثاق جمهوري جديد يرسخ مفهوم العدالة التحولية ويعالج جذور النزاع، بما يعزز الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع.

2. إعادة بسط سلطة الدولة على المناطق الطرفية

يوفّر غياب القيادات الميدانية البارزة للجماعات المسلحة فرصة استراتيجية لاستعادة الدولة سيادتها الفعلية على المناطق الخارجة عن نطاق سيطرتها. ويتطلب ذلك تنفيذ خطة متكاملة تمزج بين الإصلاحات المؤسسية، والتدخلات الأمنية المدروسة، والبرامج التنموية الشاملة، بما ينهي حالة ازدواجية السلطة ويعزز الاندماج الوطني. ويُشترط لتحقيق ذلك دمج الأبعاد الأمنية مع المعالجة الاقتصادية–الاجتماعية للتهميش التاريخي الذي طال تلك المناطق.

3. تعزيز الشراكات الدولية

يوفر الحكم منصة لترسيخ صورة الدولة كفاعل ملتزم بالمعايير الدولية للمساءلة وسيادة القانون، ما يمنحها هامشًا تفاوضيًا أوسع مع الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والدول المانحة، للحصول على دعم مالي وتقني في مجالات إعادة الإعمار، ونزع السلاح، وإعادة إدماج المقاتلين السابقين، وبناء قدرات مؤسسات الأمن والعدالة. كما يمكن لهذا الالتزام أن يسهم في استقطاب شراكات استراتيجية طويلة الأمد تدعم مسار التحول السياسي والأمني.

الخاتمة

يمثل الحكم الصادر عن المحكمة الجنائية الدولية بحق كل من ألفريد ييكاتوم وباتريس-إدوار نغيسونا، لحظة مفصلية في مسار العدالة الجنائية الدولية داخل جمهورية إفريقيا الوسطى. فهذا الحكم لا يكرّس فقط مبدأ المساءلة عن الجرائم الجسيمة، بل يعيد الاعتبار للضحايا، ويؤسس لإمكانية بناء دولة تحترم القانون وتستند إلى مؤسسات شرعية وعادلة.

لكن أهمية هذا التطور لا تتوقف عند بعده القضائي، بل تتجاوز ذلك إلى إمكانياته في إحداث تحوّل بنيوي في علاقة الدولة بالمجتمع، من خلال ترسيخ أسس العدالة التحولية كمدخل لإعادة بناء الثقة بين المواطنين ومؤسسات الحكم، وتحقيق السلم الأهلي واستدامة السلام. فالتحدي الحقيقي يتمثل في تحويل لحظة الإدانة إلى أفق سياسي شامل يُفضي إلى مصالحة وطنية حقيقية تتجاوز الرمزية وتُترجم إلى سياسات وبرامج ملموسة.

ولتحقيق هذا الهدف، لا بد من تفعيل برامج تعويض وإنصاف الضحايا، وتعزيز آليات إعادة الإدماج المجتمعي للناجين، وإطلاق إصلاحات هيكلية تمسّ المؤسسات القضائية والأمنية، تضمن نزاهتها وفعاليتها واستقلاليتها. كما أن ربط العدالة بالمسارات التنموية يشكل عنصراً محورياً لكسر دائرة العنف، من خلال توفير فرص اقتصادية واجتماعية في المناطق التي كانت تاريخياً حاضنة لنشاط جماعات مسلحة مثل أنتي بالاكا.

إلى جانب ذلك، لا يمكن تجاهل أهمية صياغة خطاب وطني جامع يتجاوز الانقسامات الطائفية والهوياتية، ويرتكز على قيم المواطنة والمصلحة الوطنية العليا. كما أن استمرار الدعم الدولي والإقليمي سيكون ضرورياً لتوفير الموارد والضمانات التي تمكّن الدولة من تنفيذ التزاماتها في مجال العدالة والحوكمة.

إن جمهورية إفريقيا الوسطى تقف اليوم على مفترق طرق، فإما أن تنجح في تحويل هذا الحكم التاريخي إلى فرصة لبناء دولة القانون، أو أن تسقط مرة أخرى في دوامة التسييس والانقسامات الضيقة. ويظل الرهان الحقيقي معقودًا على تجاوز منطق العدالة العقابية إلى العدالة التحولية، بوصفها السبيل الأمثل لمعالجة جذور النزاع وبناء عقد اجتماعي جديد يمهد لسلام مستدام وتنمية شاملة.

كاتب

  • أحمد توم
    أحمد توم

    باحث أفرووسطى، تتركز اهتماماته البحثية على الشؤون السياسية والاجتماعية، والتنمية، والأمن، وبناء السلام.
    تهدف أبحاثه إلى إنتاج معرفة نقدية تُسهم في تعميق فهم صنّاع السياسات والباحثين لتعقيدات السياقات المحلية، وتقديم رؤى تحليلية واستراتيجيات عملية تدعم جهود إحلال السلام وتعزيز مسارات التنمية المستدامة في جمهورية إفريقيا الوسطى ومنطقة وسط إفريقيا.

ShareTweetSend
Next Post
محطة ساكاي الشمسية في جمهورية إفريقيا الوسطى: كيف يعكس الاستثمار الإماراتي تحولًا استراتيجيًّا نحو السيادة في مجال الطاقة؟

محطة ساكاي الشمسية في جمهورية إفريقيا الوسطى: كيف يعكس الاستثمار الإماراتي تحولًا استراتيجيًّا نحو السيادة في مجال الطاقة؟

جمهورية إفريقيا الوسطى

جمهورية إفريقيا الوسطى

الانتخابات العامة في جمهورية إفريقيا الوسطى

الانتخابات العامة في جمهورية إفريقيا الوسطى .. إعادة تشكيل الشرعية وتحديات الأمن والاستقرار

  • 91 Followers
  • الأكثر قراءة
سانغو مشروع إفريقيا الوسطى للعملات المشفرة

سانغو: مشروع إفريقيا الوسطى للعملات المشفرة

24 يوليو، 2025
مطار بانغي الدولي الجديد: تحالف البريكس والحكومة يوقعان الاتفاقية الإطارية

مطار بانغي الدولي الجديد: تحالف البريكس والحكومة يوقعان الاتفاقية الإطارية

21 يناير، 2024
تفاقم مشكلة نقص الوقود في جمهورية إفريقيا الوسطى

تفاقم مشكلة نقص الوقود في جمهورية إفريقيا الوسطى

18 ديسمبر، 2022

ملفات الأمن

هيمنة الحزب الحاكم على نتائج الانتخابات التشريعية في جمهورية إفريقيا الوسطى

هيمنة الحزب الحاكم على نتائج الانتخابات التشريعية في جمهورية إفريقيا الوسطى

12 يناير، 2026
نتائج انتخابات جمهورية إفريقيا الوسطى 2025: إعلان أولي يحسم الرئاسيات من الجولة الأولى

نتائج انتخابات جمهورية إفريقيا الوسطى 2025: إعلان أولي يحسم الرئاسيات من الجولة الأولى

8 يناير، 2026
أوبانغي

أوبانغي | مرصد متخصص في قضايا السياسات العامة والأمن القومي لجمهورية إفريقيا الوسطى ومنطقة السيماك، لرصد التحولات الإقليمية، وتحليل اتجاهاتها.

  • سياسة الخصوصية
  • عن أوبانغي

© 2025 جميع الحقوق محفوظة | أوبانغي

Welcome Back!

Login to your account below

Forgotten Password?

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Log In
Submit

    No results found for ""

    اكتب سلسلة البحث. الحد الأدنى المطلوب هو أربعة أحرف.

    X
    CAPTCHA Image
    No Result
    View All Result
    English
    • الرئيسية
    • السياسات العامة
      • الحوكمة
    • ملفات الأمن
      • الأمن القومي
      • الأمن الإقليمي
    • البيئة والمناخ
    • فعاليات
    • الانتخابات
    • عن أوبانغي
    • دول السيماك
      • الغابون
        • البطاقة التعريفية – الغابون
      • الكاميرون
        • البطاقة التعريفية – الكاميرون
      • تشاد
        • البطاقة التعريفية – تشاد
      • جمهورية إفريقيا الوسطى
        • البطاقة التعريفية – جمهورية إفريقيا الوسطى
      • جمهورية الكونغو برازافيل
        • البطاقة التعريفية – الكونغو
      • غينيا الاستوائية
        • البطاقة التعريفية – غينيا الاستوائية

    © 2025 جميع الحقوق محفوظة | أوبانغي