بحسب النتائج الأولية الصادرة عن الهيئة الوطنية للانتخابات (ANE) في جمهورية إفريقيا الوسطى، يوم الجمعة 9 يناير 2026، تصدّر حزب حركة القلوب المتحدة (MCU)، الحزب الحاكم بزعامة الرئيس فوستين أركانج تواديرا، نتائج الانتخابات التشريعية عقب الجولة الأولى من الاقتراع.
فقد فاز الحزب بما لا يقل عن 50 مقعدًا من أصل 70 مقعدًا تم التنافس عليها في هذه المرحلة من الانتخابات. وفي المقابل، حصدت الأحزاب المعارضة والمرشحين المستقلين على 20 مقعداً فقط في الجولة الأولى، بينما تأجل الحسم في 67 دائرة إلى الدور الثاني.
وبحسب بيانات الهيئة، بلغت نسبة المشاركة في الاقتراع التشريعي نحو 52.43٪ من أصل 2.3 مليون ناخب مسجل، وهو مستوى متوسط بالنظر إلى التحديات الأمنية واللوجستية التي واجهت تنظيم العملية الانتخابية، لا سيما في المناطق الريفية والنائية. ويعكس هذا المعدل المشاركاتي تأثير البيئة الأمنية والقدرة التنظيمية على توسيع نطاق المشاركة الشعبية في العملية الديمقراطية.
هيمنة الحزب الحاكم
تشير النتائج الأولية بوضوح إلى استمرار هيمنة حزب حركة القلوب المتحدة (MCU) على المشهد التشريعي في جمهورية إفريقيا الوسطى. وعند وضع هذه النتائج في سياق إجمالي مقاعد البرلمان البالغة 144 مقعدًا، بعد الزيادة الطفيفة التي جاءت وفق التعديلات الدستورية الأخيرة عام 2023، يتضح أن الحزب الحاكم قد ضمن فعليًا أكثر من ثلث البرلمان قبل خوض الجولة الثانية من الانتخابات.
فقد فاز الحزب بنسبة حوالي 71٪ من المقاعد التي تم حسمها حتى الآن (50 من أصل 70)، ما يعزز قبضته على السلطة التشريعية ويمكّنه من تمرير التشريعات والمبادرات الحكومية بسهولة أكبر، لا سيما إذا تمكن من تأكيد الغالبية خلال الجولة الثانية.
تأتي هذه الهيمنة بالتوازي مع استمرار رئاسة فوستين أركانج تواديرا بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية الموازية بنسبة 76.15٪ من الأصوات وفق النتائج الأولية للجولة الأولى، مما يعكس تناغمًا واضحًا بين السلطة التنفيذية والتشريعية.
قد يشير هذا التوافق إلى رغبة قطاع واسع من الناخبين في تحقيق استقرار مؤسسي ومنع تفكك الهياكل الحكومية في ظل خلفية أمنية هشة. ومع ذلك، يمكن تفسير هذا الأداء أيضًا على أنه يعكس تراجع فاعلية المعارضة وضعف قدرتها على المنافسة بشكل مؤثر في الساحة السياسية، وهو عامل قد يحد من التوازن البرلماني ويؤثر على ديناميات الصراع السياسي في المستقبل القريب.
في الوقت نفسه، قد تعكس هذه النتائج استراتيجية محكمة من الحزب الحاكم للسيطرة على السلطة التنفيذية والتشريعية، تقوم على إقناع النخب والمجتمعات الشابة بالالتفاف حول حلول الحزب ودعمه، بما يتيح للحكومة تعزيز شرعيتها السياسية وتوسيع قاعدة الدعم الشعبي لبرامجها وسياساتها. إن هذا التوجه يعكس قدرة الحزب على توظيف أدوات التأثير الاجتماعي والسياسي لإعادة إنتاج هيمنة سياسية مستمرة، وهو ما قد يحد من فرص المعارضة في استعادة دور مؤثر على مستوى التشريع واتخاذ القرار في المستقبل القريب.
تراجع المعارضة التقليدية
شكلت هذه الانتخابات ما يمكن وصفه بـ”الزلزال السياسي” الذي أصاب رموز المعارضة التقليدية في جمهورية إفريقيا الوسطى. فإقصاء شخصيات بارزة، من بينها رئيسا الوزراء السابقان هنري-ماري دوندرا (Henri-Marie Dondra)، وفيرمان نغريبادا (Firmin Ngrébada)، من الجولة الأولى لا يمثل مجرد خسارة انتخابية، بل يعكس تآكل قواعد الدعم الشعبي للوجوه السياسية التي هيمنت على المشهد خلال العقد الماضي.
في المقابل، يبرز اسم أنيست جورج دولوغيلي (Anicet Georges Dologuélé) الذي تأهل للجولة الثانية في دائرة “بوكارانغا” كأحد آخر المعاقل التي ما زالت تحتفظ بها المعارضة المؤسساتية في مواجهة الزخم الكاسح للحزب الحاكم.
رغم مشاركة عدد من المرشحين من المعارضة والمستقلين في المنافسة التشريعية، إلا أن نتائج الجولة الأولى تشير إلى ضعف قدرتهم على تحقيق اختراقات مماثلة لتلك التي أحرزها الحزب الحاكم. ويعود هذا الوضع إلى تجزؤ المعارضة وضعف تنظيمها الداخلي، وهو أمر متوقع بعد سنوات من النزاعات المسلحة وغياب البنى المؤسسية الفاعلة، ما يفقدها الزخم الجماهيري والتنظيمي الضروري للمنافسة بفاعلية على المقاعد التشريعية.
ردود الفعل: بين الطعون القانونية والاحتقان السياسي
من المتوقع أن تشهد الأيام المقبلة نشاطًا مكثفًا داخل أروقة المجلس الدستوري، في ظل الاتهامات التي وجهها فيرمان نغريبادا بشأن وقوع “خروقات جسيمة” خلال العملية الانتخابية. هذه الاتهامات لا تمثل موقفًا شخصيًا فحسب، بل تشكل وقودًا محتملاً لخطاب معارض يرى في الانتخابات مسارًا معدًا سلفًا، مما قد يزيد من حدة الاحتقان السياسي في البلاد.
يُعتبر اللجوء إلى الطعون القانونية ضمن المهلة المقررة من الهيئة الوطنية للانتخابات (خمسة أيام) الخيار الأكثر أمانًا للمعارضة، لكنه يطرح تحديًا جوهريًا يتمثل في قدرتها على توحيد جهودها في الدوائر الـ 67 المتبقية. فإذا لم تنجح المعارضة في تشكيل تحالفات عابرة للحزبية مع المستقلين، فإنها ستواجه خطر التحول إلى أقلية برلمانية رمزية تفتقر إلى القدرة على التأثير على التشريعات أو تعديل القوانين ذات الطبيعة السيادية.
تأثير النتائج على المشهد السياسي والأمني
تشكل النتائج الأولية للانتخابات التشريعية في جمهورية إفريقيا الوسطى مؤشرًا واضحًا على تعزيز سيطرة الرئيس فوستين أركانج تواديرا وحزب حركة القلوب المتحدة على الجهاز التشريعي، مما يتيح للحكومة فرصة أكبر لتسريع تنفيذ أجندة الإصلاحات التي يقترحها الرئيس، على الرغم من الجدل المستمر حول طبيعة هذه الإصلاحات ومدى شموليتها.
وقد يؤدي هذا التمركز السياسي إلى تركيز السلطة في يد حزب واحد، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول قدرة البرلمان على ممارسة الرقابة الفاعلة على السلطة التنفيذية، خصوصًا في ظل ضعف تمثيل المعارضة وعدم قدرتها على تشكيل كتلة برلمانية قوية وموحدة.
من جهة أخرى، يمكن لهذا الواقع أن يكون فرصة للحكومة لتعزيز شرعيتها الشعبية، في حال تمكنت من تحسين مستوى الخدمات الأساسية، وتوفير الأمن والاستقرار، لا سيما في المناطق الحضرية والريفية التي شهدت تحديات لوجستية وأمنية خلال الانتخابات. فنجاح الحكومة في هذه المجالات يمكن أن يترجم النتائج الانتخابية إلى دعامة استقرار مؤسسي وسياسي.
ومع ذلك، فإن أي تصاعد في النزاعات المحلية، خصوصًا في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعات المسلحة، قد يفاقم المخاوف المرتبطة بضعف التمثيل التشريعي للمعارضة. فالشعور بالعزلة والتهميش السياسي في هذه المناطق قد يؤدي إلى تصاعد الاحتجاجات الشعبية أو التحركات السياسية غير الرسمية، وهو ما يشكل تحديًا إضافيًا لاستقرار الدولة وأمنها الداخلي.
بالتالي، فإن المشهد السياسي والأمني في المرحلة المقبلة سيعتمد بشكل كبير على مدى قدرة الحكومة على تحويل الهيمنة التشريعية إلى أداء فعلي في تحسين حياة المواطنين وتعزيز الأمن، وعلى قدرة المعارضة على تطوير استراتيجيات مؤثرة تمكنها من المشاركة في العملية السياسية بالرغم من ضعف تمثيلها في البرلمان.
الخاتمة
تشير النتائج الأولية للانتخابات التشريعية في جمهورية إفريقيا الوسطى إلى تعزيز هيمنة الحزب الحاكم على السلطة التشريعية، واستمرار الرئيس فوستين أركانج تواديرا في تعزيز موقعه السياسي بعد إعادة انتخابه في الانتخابات الرئاسية.
ومع ذلك، فإن هذه الهيمنة ليست مطلقة، إذ تأتي في ظل تحديات متعددة، أبرزها ضعف المعارضة وعدم قدرتها على تقديم رقابة فاعلة، فضلاً عن المخاوف المتعلقة بنزاهة العملية الانتخابية في بعض المناطق، إلى جانب السياق الأمني الهش الذي يظل أحد أبرز العوامل المؤثرة على فعالية العملية الديمقراطية ومصداقيتها.
تظل المرحلة القادمة حاسمة في تحديد مسار الاستقرار السياسي والمؤسسي في البلاد. فإما أن تؤدي هذه النتائج إلى تعزيز استقرار مؤسسات الدولة وإعطاء زخم للحكومة في تنفيذ إصلاحاتها، أو أن يؤدي الاستقطاب السياسي المستمر إلى تعقيد المشهد الداخلي، وتجدد التوترات التي لطالما شكلت سمة مميزة للساحة السياسية في جمهورية إفريقيا الوسطى.
في هذا السياق، يظل التحدي الأكبر هو إيجاد توازن بين سيطرة الحزب الحاكم على البرلمان، وضرورة إشراك المعارضة بفعالية لضمان استقرار مؤسسي مستدام واستجابة فعالة لتطلعات المواطنين.