في هذا المقال سأنقلك إلى جولة سريعة خاطفة متوغّلة في شخصية عالم رياضيات ورجل دولة مخضرم في السياسة. سنذكر شيئا من حياته الأسرية تارة، ونستوحي بعض مواقف في السياسة وشؤون الدولة تارة أخرى.
هذا الرجل منحه الله مُلْكا وشاءت الأقدار الإلهية أن تقذف به إلى رأس هرم السلطة في قلب القارة الإفريقية، جمهورية إفريقيا الوسطى، ليفارق مقاعد الجامعة وأروقتها بشكل غير منقطع، وكان قدره أن يجد نفسه بين سِندان الحركات المسلحة، ومِطرقة الأطماع الدولية حول ما تتمتع به بلاده من موارد طبيعة. فمن هو هذا الرجل العجيب الغريب؟
مولد فوستين أركانشج تواديرا ونشأته وتعليمه
وُلِد فوستين أركانشج تواديرا (Faustin-Archange Touadéra) في العاصمة بانجي وهو ابن سائق ومزارع. كانت عائلته في الأصل من مدينة دامارا التي تبعد حوالي 75 كم شمال العاصمة بانغي. حصل على تعليمه الثانوي والجامعي في بانجي، ثم التحق بجامعة أبيجيان في كوت ديفوار. وحصل على درجة الدكتوراه في علم الرياضيات عام 1986م تحت إشراف دانييل غوردين في جامعة ليل للعلوم والتكنولوجيا في فرنسا.
كما حصل فوستين أركانشج تواديرا على دكتوراه أخرى في الرياضيات في جامعة ياوندي، الكاميرون عام 2004م. منذ عام 1987م أصبح تواديرا أستاذا مساعدًا ومحاضرًا للرياضيات في جامعة بانجي، وكان نائبًا لعميد كلية العلوم بالجامعة نفسها من عام 1989م إلى عام 1992م. وعمل تواديرا بعد ذلك كرئيس للجامعة من 2005م إلى 2008م. وبهذا، يعدّ تواديرا أول رئيس مدني ذو تعليم عالٍ يقود البلاد؛ بل يعتبر الرئيس الأكثر تعليما بين رؤساء دول منطقة وسط إفريقيا برمتها.
فوستين أركانشج تواديرا والمعترك السياسي
في فبراير 2016، أُجْرِيت انتخابات رئاسية، وفاز فيها فوستين أركانشج تواديرا رئيس الوزراء السابق في حكومة فرانسوا بوزيزي، وذلك بعد حصوله على المركز الثاني في الجولة الأولى من التصويت، ثم حصل على دعم أغلبية المرشحين المهزومين للجولة الأولى والتي فاز بها بنسبة 62٪ من الأصوات وأدى اليمين الدستوري في 30 مارس 2016م. وفي خطابه بهذه المناسبة، تعهد بالسعي إلى نزع السلاح وجعل جمهورية إفريقيا الوسطى دولة موحدة، دولة سلام، دولة تواجه قضايا التنمية بشكل فعال.
عَيّن تواديرا سيمبليس سارانجي (Simplice Sarandji ) رئيسا للوزراء وذلك في 2 أبريل 2016. كان سارانجي مدير حملة تواديرا خلال الانتخابات، فكأنه كافأه بذلك المنصب. والجدير بالذكر، بعد أن أدّى الرئيسُ اليمينَ الدستورية، أكدتْ فرنسا على أنها ستنهي تدخلها العسكري في جمهورية إفريقيا الوسطى؛ إذْ كان عدد الجنود الفرنسية المنتشرة في البلاد وقت ذاك حوالي 2500 جندي كجزء من عملية سانجاريس، ودعمت حوالي 10000 جندي من قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام.
في واقع الأمر، إن فرنسا هي من خطط لمجيء تواديرا على رأس السلطة، وبدون دعمها قد يواجه تواديرا تحديات مباشرة تتمثل في الحفاظ على الأمن في المدن الكبرى، وتشكيل حكومته وتأمين الغذاء. وحتى لحظة تسطير هذه الأحرف (5 يناير عام 2021م) لم تنسحب القوات الفرنسية وقوات حفظ السلام من البلاد بعد. لكن الإدارة الفرنسية في قصر الإليزيه وجهاز المخابرات الفرنسية اختلفا في شأن من يحكم البلاد، فانقلبت الثانية على الأولى وجيئ بتواديرا وقتها.
ولكن الرئيس تواديرا بعد وصوله إلى السلطة وشعر بعدم الاستقلالية والتصرف في شؤون إدارة الحكم، سئم من الإملاءات الفرنسية، فحاول أن يُحْدِث توازنا في مراكز القوة؛ فتقرّب من روسيا، وأحيا الاتفاقيات القديمة بين روسيا وجمهورية إفريقيا الوسطى مع تحديثها وذلك بين عامي 2017 و2018. شملت الاتفاقيات بنودا متعددة، أهمها الدعم العسكري وتدريب الجيش الوطني. وعلى إثر ذلك نزلت روسيا بكل ثقلها في العاصمة بانجي، وباشرت عملها دون أن تأبه لأي اعتبارات أخرى.
من هنا استشاظت فرنسا غضبا، وبدأت بالتقرب إلى الحركات المسلحة وخاصة قوات السيلكا – التي حاربتها فرنسا نفسها وأخرجتها من العاصمة عام 2014م- وقدمت لهم الدعم اللوجستي والعسكري أحيانا. تفطّن تواديرا للخطة، فعمِد إلى إبرام اتفاقية شاملة مع جميع فصائل الحركات المسلحة، وعُرفت هذه الاتفاقية باتفاقية الخرطوم (فبراير 2019). بعد هذه الاتفاية هدأت الأمور، وعادت الحياة إلى طبيعتها بشكل كبير، حافظت القوات المسلحة على مراكزها، ولكنها ضمنت الأمن وحرية التنقل التامين في مواقع سيطرتها.
في نهاية عام 2020م، عاد الرئيس المخلوع بوزيزي إلى البلاد بشكل مفاجئ، والتفّت حوله الأحزاب المعارضة استعدادا لمواجهة تواديرا في انتخابات ديسمبر 2020، إلا أن المحكمة الدستورية رفضت ملف ترشحه مما جعله يلجأ إلى الخيار العسكري المسلح، فوحّد الحركات المسلحة (سيليكا وأنتي بالاكا) وشكلوا تحالفا جديدا، وطالبوا الرئيس بتأجيل الانتخابات وتشكيل لجنة انتقالية.
رفض الرئيس تواديرا، وأصرّ على إجراء الانتخابات في موعدها المحدد، وبالفعل تمت رغم التحديات الأمنية والهجمات الشرسة من قبل المعارضة المسلحة.
حياة الرئيس تواديرا الأسرية والصراعات المزدوجة
فوستين أركانشج تواديرا أب لثلاثة أبناء ومتزوج زوجتين، هما: “بريجيت” (Brigitte)، و”تينا مارجريت” (Tina Marguerite). إنّ تعدد الزوجات يعتبر أمرا عاديا في جمهورية أفريقيا الوسطى ولم يُجَرَّم اجتماعيا أو قانونا – حسب علمي- إلا أن رؤساء جمهورية أفريقيا الوسطى السابقين نادرا ما يجمعون بين زوجتين أو أكثر في آن واحد على الأقل أثناء فترة حكمهم للبلاد. لكن الرئيس تواديرا جمع بين زوجتين في آن واحد أثناء فترة حكمه، وأنّ الزوجتين تنافستا على لقب السيدة الأولى لجمهورية إفريقيا الوسطى، وحصلت بينهما مشاجراتٌ وأمورٌ غريبة كلها أريد لها أن تبقى خلف كواليس القصر الرئاسي وتوأد تحت سراديبه، ولم يُسْمَح لها بالظهور على العلن حتى يتلقفها الإعلام بشكل واسع.

بريجيت تواديرا، سيدة جمهورية إفريقيا الوسطى الأولى
إلى جانب تلك الصراعات النّسوية أو العائلية في البيت الرئاسي؛ كانت هناك صراعات وإشكاليات كثيرة تواجه الرئيس تواديرا في جميع الأصعدة، إلا أنه ما زال يحكم البلاد بالدعم الروسي الرواندي وقوات حفظ السلام الدولية على الرغم من أنه لم يستطع أن يُحْكِم سيطرته على أكثر المدن والأقاليم، ولم يستطع إنهاء الصراع المسلح ونزع الأسلحة من أيدي الميليشيات والجماعات المختلفة التي تقوم بأعمال عسكرية وإجرامية ضد المدنين وتهدد عرش تواديرا نفسه خاصة عند اقتراب انتهاء فترة ولايته الأولى وهو في استعداد لخوض انتخابات لنيل ولاية ثانية مرة أخرى. فها هو يفوز في الانتخابات التي أجريت في تاريخ 27 ديسمبر 2020 بنسبة 53.92 في المئة.

تينا مارغريت تواديرا، سيدة جمهورية إفريقيا الوسطى الأولى
تساؤلات تطرح نفسها
فيا ترى، إلى أي مدى يستطيع تواديرا الصمود أمام كل هذه التحديات المختلفة وينقل البلاد إلى برّ الأمان؟
أم أننا سنشهد انقلابا سادسا في تاريخ البلاد لتنزلق إلى أسفل السافلين في سلم الدول الهشة والمتدهورة أمنيا؟
أنت كمواطن أفرو_وسطي أو متابع ومهتم بشؤون هذا البلد الصغير -الذي تكالبت عليه الأمم كتكالب الأكلة على قصعتها – ما هي توقعاتك لمسار هذه الأزمة المستعصية؟
ملحوظــــــــــــــة: هذه مقالة نشرت على الفيسبوك في تاريخ 05 يناير 2021م.